الصحفية هيلين توماس أيام كانت عميدة الصحفيين في البيت الأبيض (الأوروبية-أرشيف)

زينب عساف-ديترويت
 
لم يشفع للصحفية هيلين توماس كونها عميدة الصحفيين في البيت الأبيض، ولم يشفع لها اسمها غير العربي أو أنها ليست مسلمة، كما لم يؤثر انتماؤها للعرق السامي في دفع تهمة "العداء للسامية" عنها، فهي تتعرض اليوم لحملة "محو" منظمة من الذاكرة الأميركية حتى وإن كانت لا تزال على قيد الحياة، وكل ذلك بسبب إسرائيل.

هذه السيدة التسعينية كانت أول امرأة أميركية تترأس النادي الصحفي الوطني ثم جمعية مراسلي البيت الأبيض، وقد بدأت عملها في المركز الرئاسي منذ عهد آيزنهاور وصولا إلى العام الثاني من ولاية أوباما، إلا أن تصريحا واحدا معاديا لإسرائيل كان كافيا لإلغاء 57 عاما أمضتها في خدمة وطنها الولايات المتحدة.

آخر فصول حملة العداء ضد هيلين كان قرار جامعة وين ستايت الواقعة في ديترويت منذ أيام قليلة بإلغاء جائزة التعدد الثقافي التي كانت تُقدّم طيلة 25 عاماً والتي تحمل اسم الصحفية المتخرجة من هذه الجامعة، وسط أجواء استنكار غير مجدية من الجالية العربية هنا.

وجاء هذا القرار إثر زيارة هيلين إلى ديترويت حيث كررت تصريحاتها حول "حق الشعب الفلسطيني في أرضه المغتصبة"، وطالبت الصهاينة بالعودة إلى بلدانهم الأصلية في ندوة نظمتها مؤسسة "عرب ديترويت" حول الانحياز الإعلامي ضد العرب الأميركيين.

"
بيان إلغاء الجائزة:
تشجع الجامعة حرية التعبير والحوار وتحترم وجهات النظر المتعددة، لكنها تشجب بشدة الملاحظات المعادية للسامية التي صدرت عن توماس، وكنتيجة لذلك ستتوقف عن تقديم الجائزة التي تحمل اسمها
"

العداء للسامية
وجاء في بيان إلغاء "جائزة هيلين توماس لروح التنوع في الإعلام" الصادر عن إدارة وين ستايت "تشجع الجامعة حرية التعبير والحوار وتحترم وجهات النظر المتعددة، لكنها تشجب بشدة الملاحظات المعادية للسامية التي صدرت عن توماس، وكنتيجة لذلك ستتوقف عن تقديم الجائزة التي تحمل اسمها".

فردت هيلين مستهجنةً "أنا سامية، فما هذا الهراء؟ إن الجامعة أقدمت على خيانة الحرية الأكاديمية وهذا يوم حزين لطلابها، كما أنها استهترت بالتعديل الأول للدستور الأميركي الذي يضمن حرية التعبير والصحافة".
 
وكانت الصحفية هيلين تعرف منذ البداية أن ثمن تصريحاتها سيكون مرتفعا، فقد قالت في وقت سابق "أستطيع أن أنعت رئيس الولايات المتحدة بأي وصف أشاء، ولكن ممنوع أن أمسّ إسرائيل بكلمة.. لقد دفعت ثمن موقفي، لكن الأمر كان يستحق التضحية من أجل قول الحقيقة".
 
وتضيف أنها توقعت ما يحدث بسبب "سيطرة أرباب الدعاية المناهضة للعرب على البيت الأبيض وهوليوود وول ستريت وإسكاتهم للسياسيين بالمال".

ظلم ذوي القربى
ولعل هذه السيدة اللبنانية الأصل المولودة في ديترويت توقعت أيضا أن يكون التعاطف العربي معها داخل أميركا وخارجها خجولاً، إذ لم يتعدَّ الاحتجاج مظاهرة طلابية محدودة نظمها يوم الجمعة "اتحاد الطلاب العرب" داخل جامعة وين ستايت، ولقاء وفد من "اللجنة العربية الأميركية لمكافحة التمييز" مع مسؤولين في الجامعة لبحث العدول عن قرار الإلغاء.

كل ذلك في ظل غياب كامل لأي تحرك رسمي للجالية العربية التي يبدو أنها كانت مشغولة بأمور أكثر أهمية كاستقبال المغني عاصي الحلاني وتسليمه مفتاح مدينة ديربورن العربية الأميركية.
 
أوباما يقدم الحلوى لهيلين لدى احتفاله
بذكرى ميلاده العام الماضي (الأوروبية)
حرية أكاديمية
ويرى منتقدون أن قرار الجامعة إلغاء الجائزة غير مقنع من وجهة نظر قانونية في بلد يضمن حرية التعبير في البند الأول من دستوره ويمنح مواطنيه حق حرق العلم الأميركي شعار الوطن، أو الصليب رمز المسيحية.

وبإعلانها صراحة سبب وقف الجائزة، تسجّل جامعة وين ستايت سابقة في الحياة الأكاديمية الأميركية التي كانت حتى الأمس القريب تخضع لمعايير الشفافية.

وهذا السلوك لا يقلق فقط العرب الأميركيين هنا، بل أيضا الأكاديميين الرصينين الذين يخشون تسرب معايير السياسة والمال إلى العالم التربوي الذي يعد إلى جانب القضاء ركنا أساسيا في تصنيف الأمم.

وعلى أي حال، حدث أمر مماثل من قبل عندما وجّهت جامعة كاليفورنيا منذ أشهر اتهامات جنائية لعدد من طلابها العرب بسبب مقاطعتهم خطاب السفير الإسرائيلي أثناء ندوة عُقدت في الجامعة.

وما حدث في كاليفورنيا بالأمس وما يحدث في ميتشيغن اليوم يثير رعباً حقيقاً -لا سيما لدى الطلاب العرب أو ذوي الأصول العربية- من تسلل أرباب المال الذين تحدثت عنهم توماس إلى حرم الجامعات أيضا.

المصدر : الجزيرة