الروائي أمير تاج السر تنوعت كتاباته بين الشعر والسيرة والرواية (الجزيرة نت)

حاوره: حسين جلعاد-الدوحة
 
عشرون عاما أو تزيد عمر تجربة الكتابة للروائي السوداني أمير تاج السر، بدأها شاعرا ثم قاده شغفه بالحكي إلى مدارات السرد. أصدر خلالها روايات قادتها الجملة الشعرية في البدايات ثم تطورت أساليبها السردية بين الأسطورة والتاريخ والموروث الشفهي الذي يفتن تاج السر، فيعود إلى ناسه ليملأ مخزونه الإبداعي.

لم أقابل قط الروائي السوداني قبل حوارنا هذا، لكن العين لم تخطئه حين وصل إلى باحة الفندق حيث كنا قد وصلنا نحن الاثنين قبل الموعد بعشر دقائق، الشبه باد بين كاتبنا والروائي السوداني الراحل الطيب صالح، أيقونة الأدب السوداني، ولا عجب في ذلك، فالأخير هو خال تاج السر.

وكي لا يقفز الذهن إلى مقارنات ليست عادلة في مثل هذه الحالات، فإن للروائي تاج السر عالما روائيا جعله -حسب نقاد- يتقدم ليكون في طليعة أدب سوداني أخذ مكانته في عالم الكتابة العربية، بحيث صعد بقوة إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) عن روايته الأحدث "صائد اليرقات". وتاليا نص الحوار:
 
 انطلقت أعمالك الروائية الأولى بجملة شعرية، لكنك انتهيت الآن في آخر ما كتبت "صائد اليرقات" إلى لغة دلالية مختلفة تلاحق الحبكة البوليسية، كيف تنظر إلى ذلك؟

عندما بدأت أكتب الرواية في أواخر الثمانينيات، كانت لي تجربة في كتابة الشعر، وكنت معروفا بوصفي شاعرا، ثم كتبت رواية "كرمول" ونشرتها عام 1988 حيث كنت طالبا بكلية الطب في مصر، وفعلا كنت مشغولا فيها بالشعر بصورة كبيرة، حتى بناء الجملة كان شعريا.

استمررت في هذا النهج سنوات طويلة، لكن أيضا كتبت رواية "مرايا ساحلية"، وهي في السيرة الذاتية، ثم "سيرة الوجع" وهي كتابة سيرية أيضا. واحتوى هذان الكتابان كثيرا من الحكي مما ساعد على انتشارهما وخصوصا "مرايا ساحلية".

في عام 2002 كتبت روايتي "مهر الصياح" التي أعتبرها الأهم، وفي هذه الرواية تحديدا تغيّر أسلوبي. ظل الشعر موجودا، لكن ليس كما في السابق. وصرت أوظف الأسطورة والتاريخ بشكل إضافي.
غلاف رواية "صائد اليرقات" (الجزيرة نت)

ربما كان هذا الكتاب هو الذي لفت نظر النقاد فبدؤوا بالبحث عن كتاباتي والكتابة عنها. ثم أعيدت طباعة "مهر الصياح" أواخر عام 2008 وانتشرت الطبعة الجديدة بصورة كبيرة. وهذا الكتاب يترجم الآن إلى الفرنسية والإنجليزية.

بعد ذلك كتبت "زحف النمل" و"العطر الفرنسي" و"توترات القبطي" ثم "صائد اليرقات"، ورواية جديدة لم تنشر بعد اسمها "رعشات الجنوب". وكل هذه الروايات كانت بأسلوبي الجديد الذي يتجه إلى السرد، لا إلى الشعر.

 ما سبب اهتمامك بالسيرة؟

أنا من عشاق كتابة السيرة وقرائها أيضا. وتجاربي في العمل في أماكن متفرقة من السودان قبل أن آتي إلى قطر جعلتني أمتلك مخزونا كبيرا من الحكايات التي صادفت أناسا نسجوها في تلك الأماكن.

وأعتقد أن كتابة السيرة تحتاج مجهودا مضاعفا، وينبغي أن يتوافر فيها أولا الصدق، وثانيا أن تكتب بطريقة تجعلها كتابا مفتوحا وليس مغلقا، وبهذا النهج كتبت "مرايا ساحلية" عن مدينة بور سودان في فترة الستينيات حيث عشت طفلا.

وفي "سيرة الوجع"، كتبت عن عملي في منطقة طوكر في أقصى شرق السودان على الحدود مع إريتريا حيث عملت مفتشا طبيا في تلك المناطق.

كما أنجزت كتابا ثالثا في السيرة هو "قلم زينب" عن عملي في قسم النساء والتوليد في بور سودان، وسينشر قريبا عن وزارة الثقافة القطرية ضمن احتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية 2010.
 
هناك رأي لفتني إليه مرة الصديق الشاعر زهير أبو شايب، وهو ما أسماه "الحامل الاجتماعي"، ملخصه تساؤل عن إمكانية أن يكتب الشعراء والروائيون وهم بعيدون فعلا عن مجتمعهم الأصلي الذي عاشوا واكتسبوا مخيالهم وذائقتهم فيه، أنت بوصفك روائيا سودانيا تقيم خارج بلادك كيف تنظر إلى المسألة؟
 
"
الطيب صالح قدم إبداعا متميزا للرواية السودانية والعربية، وظل لفترة طويلة محتفى به بصورة ربما لم تحدث لكاتب عربي آخر حتى أصبح بالنسبة للكتاب السودانيين هو الممثل الشرعي للأدب السوداني

"
أولا أنا أحمل في ذاكرتي مخزونا لا يزال فيه الكثير الذي لم أقله، ثانيا أنا حريص على الذهاب إلى السودان في كل عام، وهناك أتداخل مع مجتمعي وأعيش طيلة فترة الإجازة السنوية، وحين أعود، فغالبا ما تكون في ذهني أفكار لكتابة جديدة. كما أن احتكاكي بالناس في مجال عملي يتيح لي نماذج مختلفة توفر مادة للكتابة.
 
وصولك إلى قائمة البوكر العربية وضع الرواية السودانية في الضوء بقوة. هل جاء الوقت أخيرا ليرى العالم كتابة سودانية جديدة، بعد أن ظل الطيب صالح أيقونة لا يرى أحد بعدها شيئا من الأدب السوداني؟
 
أشيد بالخال الطيب صالح، فهو بلا شك قدم إبداعا متميزا للرواية السودانية والعربية، وظل لفترة طويلة محتفى به بصورة ربما لم تحدث لكاتب عربي آخر، سواء من جهة المقالات التي كتبت عن إبداعه والدراسات الأكاديمية أو من جهة الترجمة إلى لغات أخرى، حتى أصبح بالنسبة للكتاب السودانيين هو الممثل الشرعي للأدب السوداني.

في هذه الأثناء لا شك أن أجيالا عديدة ظهرت، أجيال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وقدمت إبداعا لم يلفت إليه كثيرا. هذا جعل الكثيرين من العرب يقولون إن الأدب السوداني يواجه أزمة، لكنها حقيقة لم تكن أزمة في الكتابة بل كانت أزمة انتشار هذه الكتابة إلى محطات أخرى غير السودان.
 
فمثلا يوجد إبراهيم إسحق، وهو من جيل السبعينيات، وهو كاتب قوي وصاحب مدرسة كتابية خاصة، وللأسف لا يعرفها من هو خارج السودان بسبب الاكتفاء بالنشر المحلي.
 
أيضا ظهرت كتابات جديدة في الثمانينيات والتسعينيات مثل أحمد الملك وعبد العزيز بركة، وهؤلاء جميعا قدموا نتاجا يستحق الالتفات إليه.
 
بالنسبة لي لم تكن ثمة مشكلة كبيرة، لأنني لم أنشر إنتاجي داخل السودان، وإنما تعاملت منذ البداية مع دور نشر خارجية وأصبح لدي قرائي.

لكن على مستوى النجومية، ظل الطيب صالح نجما، وأضيف أنها كانت صبغة العصر الذي ظهر فيه بأن يكون الكاتب نجما، بعكس عصرنا الآن حيث لا وجود لنجم واحد، بل جيل كامل يسطع بمبدعين معا.
 
لغتك الروائية ساخرة، هل هي بديل المثقفين عن العجز في تغيير الواقع السياسي والاجتماعي؟
 
أنا شخصيا لا أتعمد السخرية، ولكن أجدها مرادفة للكتابة في عدد من الروايات التي أنجزتها مؤخرا، وربما ظهرت هذه السخرية بجلاء في رواية "زحف النمل" التي تتحدث عن مطرب أصيب بفشل كلوي وكان بحاجة إلى متبرع ينقذ حياته.

وفي الرواية الأخيرة "صائد اليرقات" تطلبت حبكتها السخرية. وفيما عدا ذلك أعتبر أن كتاباتي أكثر جدية في "توترات القبطي" و"العطر الفرنسي" و"مهر الصياح".

المصدر : الجزيرة