المخرج الهولندي سلويتسر يعاني مشاكل صحية صعبة قد لا تبقيه طويلا وفق طبيبه
(الجزيزة نت)


حاوره: نصر الدين الدجبي-أمستردام 
 
ثارت عاصفة في إسرائيل وانبرت قيادات سياسية وعكسرية للتكذيب والرد عندما صرح المخرج الهولندي من أصل يهودي جورج سلويتسر بأنه رأى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون يقتل طفلين في مخيم صبرا وشاتيلا إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

الجزيرة نت التقت المخرج الهولندي على هامش مهرجان الفيلم الوثائقي العالمي في أمستردام حيث يعرض فيلمه "وطن"، وأجرينا معه حوارا أكد فيه أن شارون قتل أمام عينه الطفلين بقوله "لن أكذّب ما سمعت أذني ورأت عيني ثم أصدق ادعاءات الساسة الإسرائيليين".

سألناه عن سبب تأخره في الإدلاء بشهادته فقال "كان عليّ أن أنجوا بنفسي أولا". سلويتسر يعاني فيما يبدو معاناة صحية حرجة، فهو يودع أيامه الأخيرة -وفق ما يقول طبيبه الخاص- لكن المخرج يؤكد أنه يعتز بشهادته على حقبة تاريخية مهمة في الصراع  الفلسطيني الإسرائيلي.

وبيّن أنه كان إلى جانب الضحايا والأبرياء في مناطق الشتات، ورمى باللائمة على الغرب الذي يقف متفرجا على ما تقوم به السلطات الإسرائيلية بحق المدنيين في فلسطين دون أن يحرك ساكنا. وأبدى سلويتسر تشاؤمه بشأن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وقال إنه لا يرى حلا قريبا لهذا الصراع.

وتاليا نص الحوار الذي أجري في أمستردام:

السلطات الإسرائيلية كذبت ما ادعيتموه من أن شارون قتل طفلين فلسطينيين بمسدسه الخاص أمام أعينكم إبان توليه وزارة الدفاع، كيف تردون على ذلك؟
 
الموضوع يتعلق بأن الحكومة الإسرائيلية لا تريد أن تتعامل مع الحقيقة، أنا قلت كلمتي من خلال الفيلم وهم يريدون أن يدافعوا، فلهم ذلك. الفيلم لا يحتوي فقط على هذه اللقطة التي توضح جريمة شارون بحق الطفلين، وإنما فيه أشياء كثيرة قد لا تعجب إسرائيل، فهو يحتوي أقوال (رئيسة الوزراء السابقة) غولدا مائير العنصرية والتي أخذتها من مصادر إسرائيلية، كما يحتوي حالات إنسانية سيشاهدها العالم ويحكم على إسرائيل من خلالها.


لكن هل يمكن أن توضح لنا متى وكيف وقعت الحادثة بالضبط؟
المخرج الهولندي مع مراسل الجزيرة نت (الجزيرة نت)
قد لا أستطيع أن أجيبك متى وقع باليوم والساعة، ولكن ما أتذكره جيدا أنها كانت في أواخر سنة 1982، ولقد نقلني موظفان من وزارة الدفاع الإسرائيلية بواسطة سيارة "جيب" برفقة مصوري إلى المكان الذي كان فيه أرييل شارون، وعندما وصلنا إلى ذلك المكان لم يكن هناك كبار في السن من الفلسطينيين، وإنما مجموعة أطفال يلعبون.
 
ولكن الصحافة والمسؤولين الإسرائيليين يؤكدون أن شارون لم يكن ليحمل سلاحا باعتباره وزيرا مدنيا؟
 
هذا كذب. فلدي صورة وهو يحمل مسدسا، ثم إنه كان على رأس الجيش وكل الذين يعملون في هذا الحقل في إسرائيل يملكون بطريقة قانونية أو غير قانونية سلاحا، بل لنعد إلى أرشيف صور الزعماء الإسرائيليين منذ موشي ديان إلى الآن، تراهم في الصور وهم يحملون أسلحة.

القانون يمنع المدني من حمل السلاح هذا صحيح، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذا المدني لا يحمل السلاح. ثم هل القانون محترم في جميع الحالات؟ أي قانون أعطى هتلر الحق لإبادة اليهود؟ ومن أي قانون أخذ بوش الحق لقتل العراقيين؟ ما هي مصداقية المبررات لأعمالهم اللاإنسانية؟ إن شارون تصرف بنفس المنطق. وأعيد وأكرر أن ما فعله من قتل وقع أمام عيني.
 
أين وقع هذا بالضبط؟


هذا وقع في منطقة قريبة جدا من صبرا، فصبرا وشاتيلا قد تغيرت الآن تماما ويصعب مقارنتها بما كانت عليه في 1982 وما تعيشه من تعقيدات من أجل محاصرة اللاجئين هناك. الآن تغيرت المنطقة ويصعب معها التحديد الدقيق للنقطة التي وقع فيها الحادث، ولكن صورة الحادث لا تزال إلى اليوم أمامي كما رأيت وسمعت في وقتها.
 
كم تقدر عمر الطفلين اللذين تم قتلهما؟

 
"
لن أكذّب ما سمعت أذني ورأت عيني وأصدق ادعاءات الساسة الإسرائيليين. أما الجنود الذين كانوا معنا فلا يستطيعون أن يتحدثوا وإلا سيلقون عقوبات إسرائيلية قاسية

"
كان الطفلان في السنتين أو الثلاث من عمرهما.
 
 
أطفال أبرياء يقتلون أمامكم، ما أثر المنظر عليكم وماذا فعلتم في حينها؟
 
كنت أنظر إلى أسفل لأنني كنت أبحث في حقيبتي عن الترخيص الذي كان بحوزتي. وفجأة سمعت طلقة نارية، رفعت رأسي بسرعة فرأيت شارون وهو يطلق النار على الطفل الثاني. أصابتني صدمة ولكن تحكمت في أعصابي وحافظت على صبري لكي لا نكون نحن الضحية التالية.

لماذا سكتم كل هذا الوقت عن شهادة بمثل هذه الخطورة؟

لقد تحدثت في الأمر في حينها إلى عدد من الناس ولكن إعلانه للملأ جاء متأخرا وذلك لأسباب موضوعية وذاتية منها أنه كان علي في البداية أن أنجو بنفسي، فقد تم اعتقالي والتحقيق معي في إسرائيل عدة مرات في حوادث مختلفة.

ثم كان أبي يلفظ أنفاسه الأخيرة واحتجت إلى أن أكون إلى جانبه، ومرت حالتي الصحية بحالات صعبة، كما أنني كنت أرى وأسمع في اليوم الواحد عن عشرات بل مئات الموتى من الجانب الفلسطيني.

كان الأطفال والنساء والشيوخ يلقون حتفهم. كان الموت شيئا عاديا وروتينيا ولم تكن هناك حاجة كبيرة للإعلان عن حالة واحدة. والآن جاء ذلك في إطار مضمون فيلم "وطن" الذي يشارك في المهرجانات.

هل أحسست في لحظة أن حياتكم أنتم في خطر؟

 
لقطة من الفيلم الوثائقي "وطن"  تعرض
امرأة تتكلم عن مصادرة بيتها (الجزيرة نت)
طبعا. أتذكر أنه في إحدى المرات في لبنان لما كان المصور يريد أن يسحب الكاميرا لتصوير أحد المناظر صحت في وجهه لا تفعل فسيقتلوننا نحن أيضا. كانت حربا بالمعنى الحقيقي للكلمة. الكل يقتل الكل، وكنا نحمل الكاميرا بينهم لم يكن الأمر سهلا، فلم يمر علينا يوم دون سماع إطلاق النار ورؤية أموات في الشوارع.

ولكن الجهات الرسمية في إسرائيل تقول إن شارون لم يكن في لبنان في ذاك الوقت؟

يمكنهم أن يقولوا ما يريدون، ولكن لن أكذّب ما سمعت أذني ورأت عيني وأصدق ادعاءات الساسة الإسرائيليين. أما الجنود الذين كانوا معنا فلا يستطيعون أن يتحدثوا وإلا سيلقون عقوبات إسرائيلية قاسية.

هل تعتبر أن ما قام به شارون تصرف فردي أم أنه يمثل نموذجا لسياسة إسرائيلية تمارس ضد مواطني منطقة الشرق الأوسط؟

حسب رأيي كانت مبادرة فردية منه، ولكن بالمقابل لم تكن مستهجنة في إطار سياسة الجيش الذي يتساهل ويتسامح مع مثل هذه الأحداث، ثم إن الإحساس بالقوة والسيطرة للجيش الإسرائيلي كان عاملا مساعدا ومهما في حدوث مثل هذه التجاوزات على الضعفاء والأبرياء.

هل خرجت بخلاصات بعد تجربتكم لمدة ثلاثين سنة من معايشة الشتات الفلسطيني؟

كنت ملاحظا عن قرب في مناطق الشتات، ولقد حاولت بصفتي مخرجا يحمل الكاميرا أن أكون قريبا من الناس أعايش معاناتهم وأقول لهم إن هناك آخرين يحسون بإحساسكم وتربطهم بكم صداقة في الوقت الذي قلّ فيه الصديق.

كيف تنظر إلى مستقبل هذا الشتات؟

الشتات الفلسطيني يعاني منذ تهجيره، والأجيال الجديدة منه أكثر معاناة لانسداد آفاقهم، ولا أعتقد أن ثلاثة أو أربعة أجيال قادمة ستنعم بوطنها.

أنا لا أكره المواطنين اليهود الذين يعيشون في إسرائيل ولا اليهود بصفة عامة، ولكن أنا ضد الحكومات المتعاقبة على إسرائيل والتي بنيت على مقولة "لا بد أن نخرج العرب من دولتنا المقدسة".

أنا ضد الحاخام الذي يقول: لا بد أن نضرب بعصا من حديد في غزة وخاصة النساء والأطفال لأن النساء يلدن الأطفال والأطفال يصبحون رجالا، وإذا أردنا أن نتخلص من الرجال لا بد أن نقتل النساء. هذا الكلام ليس من عندي ولكن من أفواه أكبر الحاخامات ونقلته صحف أميركية في العام 2010.

المصدر : الجزيرة