الروائية الإسبانية ماتوته من آخر ما تبقى من جيل ما بعد الحرب الأهلية (الأوروبي-أرشيف)

محسن الرملي-مدريد 
 
وأخيرا، نالت الروائية الإسبانية آنا ماريا ماتوته (85 عاما) Ana María Matute جائزة سرفانتس للآداب، أعلى وأهم جائزة تمنح للكتاب باللغة الإسبانية، وهي التي ظلت ضمن قائمة المرشحين لها على مدى أعوام، بعد أن حصدت العديد من الجوائز خلال مسيرتها الطويلة.

وعلى الرغم من أن ماتوته من أعمدة الرواية الإسبانية المعاصرة، وتكاد تكون آخر الأحياء من جيلها الذين اشتهروا بتسميتهم "جيل ما بعد الحرب" الأهلية، ويصفها البعض بعميدة الروائيات الإسبانيات، فإن أعمالها لم تحظ بالترجمة والتعريف الوافي لها بالعربية كما هو الحال مع العديد من مجايليها، أو مثل منافسيها هذا العام على جائزة سرفانتس.

ولم تترجم للروائية ماريا ماتوته إلى العربية إلا بضع قصص قصيرة متفرقة لم تتجاوز أصابع اليد، رغم أهميتها، فقد رشحت لجائزة نوبل للآداب في سبعينيات القرن العشرين، كما رشحت للجائزة الوطنية الإسبانية للأدب سنة 2007، وكانت أقوى وآخر المنافسين لأمين معلوف على جائزة أمير آستورياس العالمية.

وما أن أعلنت وزيرة الثقافة الإسبانية آنخيليس غونثاليث، مباشرة عبر التلفزيون يوم الأربعاء 24 نوفمبر/تشرين الثاني اسم ماريا ماتوته كفائزة بالجائزة لهذه السنة، حتى سارع الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا الذي نال نوبل مؤخراً بالاتصال من نيويورك بالصحافة الإسبانية، قائلاً بحماس إنه يريد أن يكون أول المهنئين علناً، لصديقته العزيزة القديمة، بهذه الجائزة.

ووصف يوسا الجائزة بالعادلة جداً، وهنأ لجنة التحكيم "على اختيارها الصائب هذه المرة"، قائلا إن ماتوته "تستحقها منذ زمن طويل، ولكن لا بأس، فأن تأتي الجائزة متأخرة لهو أفضل من ألا تأتي أبداً، وأنا على يقين من أن الكثير من قرائها في جميع أنحاء العالم سوف يفرحون مثلي بهذا الخبر".

الصحافة الإسبانية احتفلت بفوز الروائية
آنا ماريا ماتوته بجائزة سرفانتس (الجزيرة نت)
الذاكرة الأولى
واعتبر يوسا أن ما أنجزته ماتوته "يعد واحدا من بين أغنى أعمال الأدب المعاصر باللغة الإسبانية"، إلا أنه شدد أكثر على إعجابه بروايتها "الذاكرة الأولى"، "إنها كتاب جميل جداً، وخاصة تلك الصفحات الأولى التي تصف فيها شخصية الجدة، إنها من بين أجمل ما كُتب من أدب في لغتنا".
 
هذا وسبق ليوسا أن حصل على جائزة سرفانتس أيضاً سنة 1994م.

أما الكاتبة آنا ماريا ماتوته نفسها، فقد فتحت بيتها في مدينة برشلونة لاستقبال الصحافة والمهنئين بفرح واحتفاء، ومن ثم عقدت مؤتمراً صحفياً قائلة بدعابة "على مدى حياتي الطويلة لم ألتق إلا بقلة قليلة من الناس ممن يقولن إنهم سعداء، واليوم يمكنني أنا أن أقول إنني سعيدة، سعيدة للغاية بهذه الجائزة".

وأضافت "الحكم يعود للقراء بشأن أعمالي وما إن كانت تعجبهم أم لا، وما إن كانت تفتح لهم أبواباً أم تغلقها، ولكن بالنسبة لي فإن هذه الجائزة هي اعتراف ربما بالنوعية، أو ربما بالتفاني والالتزام مع الأدب، أشعر بموجة من السعادة، فقد منحتُ حياتي كلها لهذا الشيء الذي نسميه كتابة، حياتي كانت جزءا من الأدب".

وقالت ماتوته "إنني لا أكتب من أجل الفوز بالجوائز، ثمة من يفعل ذلك، ولكن لست أنا. أما إذا ما قاموا بمنحها لك فإن ذلك يعد شيئا رائعا".

"
الحياة هي توالي فقدان الأشياء، أنا لست متشائمة فحسب، وإنما أنا متشائمة جداً
"
آنا ماريا ماتوته

وعن كونها ثالث امرأة تنال هذه الجائزة منذ تأسيسها عام 1976 بعد مواطنتها ماريا ثامبرانو (1988) والشاعرة الكوبية دولثه ماريا لويناث (1992). قالت ماتوته "إن إسبانيا كانت دائماً بلدا ذكوريا، ولكن الأمور قد تغيرت الآن كثيراً".

رقابة وكتب
وأضافت "أود أن أقول لقرائي أن يقرؤوا كل رواياتي ولكن المفضلة لدي هي "الملك المنسي غودو"". وأكدت أن الفكرة التي سيطرت على جل أعمالها هي التعبير عن الخسران "لأن الحياة هي توالي فقدان الأشياء، أنا لست متشائمة فحسب، وإنما أنا متشائمة جداً"، وهذا بالفعل ما يطبع أعمالها منذ أول قصة كتبتها وإلى آخر رواية.
 
وتحدثت الأديبة الإسبانية عن جيلها أيام الحرب الأهلية والمرحلة الدكتاتورية، وكيف كانوا يتحايلون على الرقابة، وقالت إنها مثل الكاتب الأرجنتيني الراحل خورخي لويس بورخس "مهووسة بالقراءة".

وقالت "الكتب، الكتب، إن القراءة مهمة جداً، لقد أمضيت حياتي كلها في القراءة، ومنذ الصغر قرأت ديفد كوبرفيلد، ديكنز، ودوستويفسكي، ولذا فإن الروس أساتذتي، دوستويفسكي وتشيخوف اللذان كتبا أفضل القصص".

يذكر أن وزارة الثقافة الإسبانية قد أسست جائزة سرفانتس عام 1976 تخليدا لذكرى مؤلف "دون كيشوت"، وتتألف لجنة التحكيم عادة من 11 عضواً، لا يتم الكشف عن هويتهم إلا بعد الإعلان عن الفائز بالجائزة التي تبلغ قيمتها 125 ألف يورو.

وينص قانون الجائزة -غير المكتوب- على التناوب في منحها عاما لأديب من أميركا اللاتينية وعاما لأديب من إسبانيا، ومن بين الذين سبق أن نالوها: خورخي لويس بورخس، رافائيل ألبرتي، كارلوس فوينتس، أوكتافيو باث، أرنستو ساباتو، كاميلو خوسيه ثيلا.

الأديب البيروفي فارغاس يوسا كان أول المهنئين لصديقته ماتوته بفوزها (الأوروبية-أرشيف)
سعادة الحزينة
وقامت لجنة التحكيم مؤخرا بإعادة التصويت ست مرات، وفي النهاية استقرت على اسم ماتوته بالأغلبية كي تصبح هذا العام: الجائزة التي أسعدت الحزينة.
 
وكانت ماريا ماتوته قد ولدت في برشلونة سنة 1926، وهي الآن أحد أعضاء الأكاديمية الملكية الإسبانية للغة.
 
كما عملت أستاذة زائرة في الكثير من الجامعات ومن أهم رواياتها: "آل قابيل" 1984، "حفلة في الجهة الشمالية الشرقية" 1952، "مسرح صغير" 1954، "على هذه الأرض" 1955، "الأبناء الموتى" 1958، "الجنود يبكون ليلاً" 1963، "بعض الفتية" 1964، "الفخ" 1969، "النهر" 1973، و"الملك المنسي غودو" 1996 وغيرها، هذا إضافة إلى ما يقارب ثلاثين كتاباً.

وتنوعت بين المجاميع القصصية وقصص الأطفال التي اشتهرت بكتابتها أيضاً. وقد نجحت ماتوته في أسلوبها بالإيهام بالواقعية على الرغم من أن مجمل أعمالها يشكل عالماً أدبياً حافلاً بمزيج من الفنتازيا والرمزية والسحر والسريالية، عبر نزعة خاصة إلى العالم الطفولي والتركيز على القيم والمعاني الإنسانية والوجودية العميقة، مما ميز خصوصيتها في الإنتاج الأدبي المكتوب بالإسبانية.

المصدر : الجزيرة