عارضات أزياء يقدمن أزياء إسلامية في مدينة إسطنبول (الفرنسية-أرشيف)

في حي أمينونو المزدحم بإسطنبول تظهر نساء بمعاطف وأوشحة داكنة مربوطة تحت الذقن جنبا إلى جنب مع نساء أخريات يرتدين ألوانا زاهية وحجابا متأنقا وملفوقا بعناية حول الوجه.

قبل نحو عشرين عاما لم يكن لهذا المظهر المتأنق للملتزمات دينيا وجود بتركيا، لكن اليوم أصبح للحجاب مناصرون من أعلى المستويات مثل خير النساء زوجة الرئيس عبد الله غل، وأمينة زوجة رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان.
ما زال الحجاب يمثل في تركيا أحد أكثر القضايا إثارة للجدل في كل تفاصيله، من الطريقة التي يجري بها ربط الوشاح إلى سلوكيات من ترتديه، وهي قضية تزخر بالمعاني في هذا البلد الذي تسكنه أغلبية مسلمة لكنه علماني من الناحية الرسمية.

وتحول الحجاب من تغطية الرأس بشكل بسيط الذي كان شيئا موصوما في السنوات الأولى من قيام الجمهورية التركية باعتباره يدل على الرجعية والأصول الريفية إلى زي متأنق وسلعة رائجة بصورة كبيرة، وهو يجسد تحديا يواجه النخبة العلمانية في تركيا يتمثل في ظهور طبقة جديدة من المسلمين الملتزمين دينيا.

ويقول الباسلان أكمان وهو مسؤول تنفيذي عن إنتاج وتسويق ماركة أرمين للمحجبات "كان من الصعب العثور على أزياء أنيقة للمحجبات قبل عشر سنوات، لكن الأزياء للملتزمات دينيا أحرزت تقدما هائلا خلال السنوات الست أو السبع الماضية".

وتشتهر ماركة أرمين بحملاتها الإعلانية ذات التأثير الكبير، إذ يجري تعليق ملصقات هائلة في قلب حي الحانات والملاهي الليلية في إسطنبول حيث تتعارض بشدة صور عارضات الأزياء المحجبات مع السائد في المنطقة.
 
وتجمع هذه الماركة من الأزياء بين الأوشحة ذات الألوان الزاهية والمعاطف الفضفاضة والياقات الأنيقة والأزرار الكبيرة والأكمام المموجة.
 
سيدة تركيا الأولى خير النساء غل أثارت
غيظ المؤسسة العسكرية بشأن الزي (الفرنسية-أرشيف)
حظ وأجيال
وتقول فيليز البيرق (30 عاما) التي تعمل بمتجر لبيع الأوشحة في إسطنبول"نحن أكثر حظا من الأجيال السابقة، لدينا تصميمات وألوان أكثر للأوشحة يمكن المفاضلة بينها".

وتقول دراسة أجريت عام 2007 إن نحو 69% من نساء تركيا يرتدين غطاء الرأس بطريقة ما، وإن 16% يرتدين الحجاب الذي يلتف بإحكام حول الرأس والعنق.

وشاركت السيدة الأولى خير النساء غل -التي ترتدي هذا النوع من الحجاب الذي يلتف بإحكام حول الرأس والعنق- في استضافة احتفالات تركيا بذكرى تأسيس الجمهورية مع زوجها للمرة الأولى الشهر الماضي في مؤشر على الثقة بين الطبقة الملتزمة دينيا في البلاد.

لكن مقابلة خير النساء غل وهي ترتدي الحجاب في القصر الرئاسي كان شيئا زائدا على الحد بالنسبة للجيش التركي الشديد العلمانية والذي رفض رموزه حضور هذا الحفل.

ويشير مصطفى كارادومان مؤسس دار أزياء تكبير عام 1982 إلى التحديات القائمة بالمجتمع ويأمل في تحقيق المزيد من النمو، وقال "كان عملنا مبتدئا للغاية بالعقد الأول ثم عام 1992 نظمنا أول عرض أزياء للأوشحة حقق لنا اهتماما عالميا وأصبحت الآن الأزياء الإسلامية محل اهتمام في أنحاء العالم".

وهو يعتزم فتح المزيد من المتاجر إلى جانب تسعين متجرا في تركيا وعشرة في الخارج، كما أن لدى أرمين خططا مماثلة للتوسع.

وقال أكمان "نحن نشطون للغاية فيما يتعلق بالأهداف". وأضاف ممازحا "سأقول أننا نجحنا عندما يأتي اليوم الذي يتساءل فيه الناس من أرماني هذا لابد أنه تقليد لأرمين" في إشارة إلى أزياء أرماني الإيطالية الشهيرة.
 
أمينة أردوغان تمثل مع زوجها طبقة متدينة صاعدة (الفرنسية-أرشيف)
سوق وتطور
وقدرت صحيفة ميليت اليومية التركية أن قيمة سوق الملابس الإسلامية نحو 2.9 مليار دولار، ورغم وجود المحجبات في أنحاء شوارع تركيا فإن الطالبات والموظفات الحكوميات محظور عليهن ارتداء الحجاب بمؤسسات الدولة العلمانية، وهو قانون تعهد حزب العدالة والتنمية الحاكم بإنهائه.

وتخشى المؤسسة العلمانية من أن يؤدي أي تغيير لهذا الحظر لشعور النساء غير المحجبات بالضغط لارتداء الحجاب. ومنعت المحكمة الدستورية محاولة من العدالة والتنمية قبل ثلاث سنوات لرفع هذا الحظر، وهي محاولة كادت تؤدي لحل الحزب ذاته لمزاولته أنشطة وصفت بأنها مناهضة للعلمانية.

ويعكس النقاش المستمر حول الحجاب التطور الاجتماعي الاقتصادي في البلاد، والصراع الدائر حول وضع الحدود بين السمات السياسية والدينية للبلاد.

ووفّر النمو الاقتصادي السريع للكثير من الناس دخلا أكبر للنفقات الشخصية في حين أن زيادة الوعي السياسي بين طبقة صاعدة من الملتزمين دينيا أدت لانتشار الحجاب بينما تسعى هذه الطبقة لإيجاد صوت مسموع لها بالمجتمع.

وأصبح للمظاهر الدينية وجود أكبر بالمجتمع بعد انقلاب عسكري عام 1980، وكان يجري التهاون معها باعتبار أنها تحقق توازنا مع الأفكار اليسارية.
 
"
يبدي مسلمون محافظون غضبهم من تحويل صناعة الأزياء الإسلامية للحجاب إلى سلعة، في حين يقول العلمانيون المتشددون إن هذه الملابس لا تدل كثيرا على التواضع الذي من المفترض أن يرمز إليه الحجاب
"
تعبير سياسي
وتقول أزلم سانديكجي، وهي أستاذ مساعد للتسويق بجامعة بيلكنت بأنقرة، إن النساء من سكان المدن بدأن يرتدين معاطف فضفاضة منزلية الصنع وأوشحة كبيرة باعتبارها وسيلة للتعبير السياسي.

وأضافت أن الأزياء أصبحت تدريجيا أكثر أناقة وذات ألوان زاهية في الوقت الذي أصبحت فيه الملتزمات دينيا يرغبن في أن يكون لهن وجود ظاهر بالمجتمع.

وأوضحت "لدى تركيا بالفعل معرفة بصناعة الملابس، لذلك فعندما بدأت النساء يرتدين الحجاب أصبح من الواضح أن أنشطة تجارية يمكن أن تظهر وأن تمدهن بما يحتجن إليه، بدأت هذه الشركات الصغيرة تنمو وأصبحت أطرافا لها نفوذ متزايد".

وفي المقابل يبدي مسلمون محافظون غضبهم من تحويل صناعة الأزياء الإسلامية للحجاب إلى سلعة، في حين يقول العلمانيون المتشددون إن هذه الملابس لافتة للنظر ولا تدل كثيرا على التواضع الذي من المفترض أن يرمز إليه الحجاب.

وقالت سانديكجي "التواضع من المتطلبات، لكنه ليس المتطلب الوحيد. من المفترض أيضا أن تبدي النساء مظهرا حسنا حتى تكن قدوة ونموذجا إيجابيا للإسلام".

المصدر : رويترز