لقطة من مسلسل باب الحارة (رويترز-أرشيف)

نغم ناصر-دمشق

بعدما شكل الماضي الدمشقي الجميل عنوانا للدراما السورية العام السابق مع انحسار الأعمال المعاصرة، انقلبت المعادلة هذا العام بحضور واقع سوري بعيوب وسوداوية وصفها البعض بحالات فردية، ووجده آخرون طرحا جريئا يحسب للدراما السورية، ورأى فيه طرف ثالث أعمالا لا تلبي طموحات المشاهد السوري وواقعه المعاش بكل مصداقية.
 
عضو لجنة الرقابة في التلفزيون السوري الكاتب محمود عبد الكريم يرى أن مقاربة الدراما السورية للقضايا الحقيقية لا تزال قاصرة مقارنة بدراما الستينيات والسبعينيات التي كانت "جدية وأكثر جرأة".
 
ولا ينفي عبد الكريم مسؤولية الرقابة في التقصير، لكنه يرى المشكلة في شركات إنتاج يراها تهتم بالمشاهد الخليجي أكثر من المشاهد السوري الذي يحتاج إلى أن "تطرح همومه بطريقة أكثر إلحاحا وتتطرق لمواضيع الفقر والحريات والقهر العام".

أمراض اجتماعية
مسلسلات هذا العام سلطت الضوء على جملة أمراض اجتماعية هي جزء مما يجري في الشارع السوري.

ويعدد منسق مركز التنمية البيئية والاجتماعية عصار خوري بعضها مثل "الطلاق والملاهي الليلية والتهريب والنفاق الاجتماعي والفساد الوظيفي العلني والخمارات..".

ويشير خوري إلى أن الدراما السورية تناولت هذه القضايا سابقا "لكن الإخراج هذا العام تحرر من قيوده نسبيا فخرق الجدار المحظور وفق العرف الاجتماعي بعدما كان التركيز الإخراجي للمخرج محوره النص، وكان المخرج يتجنب الدخول للحانات وتصوير الراقصات، وهذا أمر شديد الأهمية".

ويدلل على تقدم الدراما السورية في محاكاة الواقع الداخلي، فعدسة التصوير باتت تشبع عين المشاهد بالحدث، "فمن المعيب إخراجيا الدلالة على الحدث دون تصويره، فمهمة المخرج الحقيقية تصوير ما يهدف إليه الكاتب، لا أن يكون المخرج رقيبا على الكاتب في تحجيم المادة الدارمية".

أزمة مخرجين
لكن الكاتب محمد منصور يعتبر أن الدراما السورية تعاني افتقار المخرجين الشباب للثقافة، فالمسلسلات تتشابه في آليات العمل وتفتقد المعالجة العميقة.
 
ويقول "أنا لست ضد إبراز عيوب المجتمع لكن يتوجب معالجتها بموضوعية بعيدة عن الإثارة التلفزيونية التي تصب في خدمة التسويق الدرامي".

ويرى منصور أن مسيرة الإنتاج الدرامي تؤكد غياب خطة مدروسة، فقد غابت الأعمال الكوميدية وغاب العمل التلفزيوني الجماهيري هذا العام رغم تميز عملي "زمن العار" الذي يصور مشاكل الطبقة الوسطى السورية و"سحابة صيف" الذي يصور حياة اللاجئين في الأحياء العشوائية.

من جهته يقول الناقد خليل صويلح بأن القضايا المطروحة لم تتجاوز الخطوط الحمراء التي حددتها الرقابة العربية وكانت إعادة إنتاج مرئية لما تكتبه الصحف وتورده نشرات الأخبار، وأضاف "الدراما الآن محكومة بتقليد الواقع وليس بتجاوزه".


نجيب نصير: مسلسلات كثيرة تحمل تخلفا قيميا (الجزيرة نت)
كذب باب الحارة

ويرى الكاتب نجيب نصير الذي شارك حسن سامي يوسف كتابة "زمن العار"، أن حكايات دراما التلفزيون معنية بالواقع لأن قدر التلفزة الحصول على مشاهدين.

ويقول نصير إن طرح عيوب المجتمع عبر التلفزة هو لإثارة حوار أو جدل لا لنشر الغسيل الوسخ أو تعميم ما يراه البعض قلة أخلاق أو حياء، وهو يصف الأقلام التي تحدثت عن ذلك بتحريضية ومختصة بالغوغاء.
 
ويؤكد أن "دفن المشكلات مشكلة بحد ذاته وما تلمح إليه الدراما التلفزيونية يجب أن يكون دراسات بحثية وإحصائية  معلنة".

ورغم حضور مسلسلات معاصرة هذا العام مقارنة بالعام الماضي، يجد نصير أن كثيرا منها "يحمل ذات التخلف القيمي لمسلسلات الحارة العتيقة التي ما زالت حاضرة دراميا".

وأنتجت الدراما السورية في السنوات الأخيرة مسلسلات عديدة ركزت على الماضي السوري، كان من أنجحها "باب الحارة".

لكن مسلسلات الحارة العتيقة تحولت إلى "مسخرة" لدى المشاهدين المحليين، يقول نصير، لما فيها من "فشخرة وكذب"، "فهل يعقل أن يقتل من المستعمرين (أتراك وفرنسيين) ما يضاهي جيوشا بأكملها بسبب الذكاء البدائي لأبو شهاب أو أبو حاتم؟!"، في إشارة إلى مسلسل "باب الحارة".
 
ويختتم كلامه قائلا "الصدق الفني والمعرفة الحقيقية هما ما يصنعان العمل الفني وليس حكايا الاتكاء على قيم هبلاء مفترضة لم تكن موجودة وإذا وجدت فإنها تصنع زعرانا وليس مناضلين ضد المستعمر".

المصدر : الجزيرة