هوغو لوتشر (يمين) في زيارته لمدينة الأقصر بمصر عام 2006 (الجزيرة نت-أرشيف)

زيورخ-تامر أبو العينين
 
لم يمهل القدر الكاتب والمفكر السويسري المشهور هوغو لوتشر فرصة لمواصلة جولاته الأدبية في الشرق الأوسط بزيارة سوريا هذا الصيف، حيث مات مساء الثلاثاء عن 80 عاما إثر عملية جراحية في القلب لم يكتب لها النجاح.
 
وقالت الناقدة الأدبية السويسرية سوزان شاندا إن الراحل كان مهتما بالفكر الإنساني وتطوره، ورصد في كتاباته تأثير المتغيرات السياسية على المجتمع بأسلوب أدبي رشيق، فاكتسب صيتا في الأوساط الأدبية لاسيما في المناطق المتحدثة بالألمانية، وترجمت بعض أعماله إلى أكثر من لغة من بينها العربية.

وأضافت للجزيرة نت أن لوتشر اهتم بالعالم العربي كثيرا والعلاقة بين الشرق والغرب، ودعا إلى حوار الثقافات لتبادل الخبرات ووجهات النظر بين الجانبين، وبرز هذا في لقاءاته مع الجمهور والنقاد في القاهرة وليبيا وتونس حيث تعرف على الأدباء العرب وأعمالهم.

وتتذكر شاندا، التي رافقت لوتشر في جولته الأدبية إلى القاهرة عام 2006، مدى إعجابه برواية "الزيني بركات" من تأليف الروائي المصري جمال الغيطاني، وأعمال نجيب محفوظ وتوجهات الأدباء الشبان، كما شد انتباهه العلاقة بين الدين والمجتمع وانعكاسها في الحركة الأدبية العربية.

وقالت الناقدة السويسرية "لقد تميز الأديب الراحل بفضوله الشديد وحرصه المتواصل على المعرفة، وكان رغم بلوغه الثمانين يشعر أنه بحاجة لتحصيل المزيد، ليس فقط لما يحدث حوله، ولكن أيضا بما يمر به العالم من مشكلات، وبدا هذا من حواراته أثناء الأمسيات الأدبية في الدول العربية التي زارها". 
 
أكثر من أديب
سوزان شاندا تتوسط لوتشر (يسار) في الأقصر مع الأديب جمال الغيطاني (الجزيرة نت)
واتفق الناقد رومان بوخلي مع هذا قائلا إن لوتشر لم يكن أديبا فقط، بل صحفيا ذا إنتاج غزير من المقالات المتخصصة والعامة والتحقيقات الصحفية من مختلف دول الجنوب التي زارها، ففتح للقارئ آفاقا معرفية كثيرة بلغة أدبية متميزة.
 
ويعتقد بوخلي أن لوتشر كان من أوائل من وضعوا اختلاف الثقافات كأحد عوامل التعايش السلمي على الأرض، وذلك منذ العام 1979، عندما نشر مجموعته القصصية "عالم فريد"، ابتعد فيها عن أدب الرحلات التقليدي إلى أدب الواقع ولكن من ثقافة مختلفة.

ورأى بوخلي في حديث للجزيرة نت أن سويسرا خسرت صوتا أدبيا في الوسط الثقافي الناطق بالألمانية، لتميزه بأسلوب خاص في استخدام الكلمات، إذ برع في مزج القيمة الأدبية للجملة بالسخرية اللاذعة منتقدا السلبيات الاجتماعية، كما كان بعيد النظر في تحليلاته، ودعا القارئ إلى التفكير من خلال استخدام تراكيب لغوية مستفزة، لا يمكن الفرار من تأثيرها.

وقال إن الأديب الراحل تمكن من وضع مكانة متميزة لنفسه بين الأدباء الناطقين بالألمانية وسط عمالقة مثل فريدريك دورينمات وماكس فريش، كما لا يقل أهمية عن الأديب الفرنسي ألبير كامو أو البرتغالي أنطونيو فييرا.
 
ورأى بوخلي أن ثلاثية "المجاري" و"إكليل جامعة الفطر" و"نوح" من ورائع إنتاج لوتشر حيث تعد تسجيلا دقيقا للحياة الاجتماعية والسياسية الأوروبية في نهاية ستينيات القرن الماضي.

 كما رأى الناقد الأدبي أن نجاح لوتشر يكمن في أنه "قدم أبطال أعماله ينظرون إلى واقعهم من خارج محيطهم، فيجعلهم يكتشفون ما حولهم، كما يحدد في كتاباته العلاقة بين الإنسان وما حوله وتأثير كل منهما على الآخر".

ولد هوغو لوتشر في زيورخ عام 1929، ودرس علم الاجتماع والفلسفة والتاريخ في جامعتي زيورخ وباريس ثم عمل في مجال النقد الأدبي، ونشرت أعماله كبريات المجلات الثقافية المتخصصة.

وتحولت بعض أعماله إلى مسرحيات، وحصل على جائزة "شارل فيو" الأوروبية المتخصصة في الأعمال الأدبية تقديرا لدوره في النقد البناء لمجريات العصر الحديث.

المصدر : الجزيرة