فانوس يقول مقتنيه إنه يعود إلى عهد صلاح الدين الأيوبي (الجزيرة نت)

عوض الرجوب-الخليل
 
بجهد فردي استغرق عشرات الأعوام، تمكن مواطن فلسطيني من جمع عشرات آلاف المقتنيات التراثية تعود غالبيتها إلى النصف الأول من القرن الماضي، ويعود بعض منها إلى قرون سابقة ترجع إلى عهد صلاح الدين الأيوبي.
 
ونظرا لقلة الإمكانيات فقد اضطر إسحق الحروب (أبو إياد) -وهو معلم متقاعد في العقد السابع من العمر- إلى تحويل طابقين من منزله إلى متحف مزدحم، وغاية أمنياته أن يتمكن من إنشاء متحف خاص بالتراث الفلسطيني يحتضن مقتنياته لتكون مدرسة للأجيال.
 
ويعيش الحروب في قرية دير سامت غرب الخليل بالضفة الغربية، واستفاد كثيرا من موقعه المتوسط في زيارة جميع بلدات وقرى فلسطين من الشمال إلى الجنوب لممارسة هوايته.

أدوات صنع القهوة وصبها احتلت حيزا مهما في مقتنيات الحروب (الجزيرة نت)
بداية شاقة

بدأ الحروب رحلته بل هوايته منذ أواسط الخمسينيات من القرن الماضي كتاجر متجول، وبدأ يشتري كل ما تقع عليه عيناه من المقتنيات، فيبيع ما لا يحتاجه وبثمنه يكمل المهمة ويحتفظ بما يراه مهما.
 
لم يترك أبو إياد مجالا من مجالات الحياة إلا واحتفظ  بمقتنيات تتعلق بها، ودفع من أجل ذلك مبالغ باهظة، ويرفض أن يبيع أيا منها ولو بأغلى الأثمان، لأن بيع المقتنيات –كما يقول- ضربة قاضية لجهود سنواته الطويلة.
 
يعد الحروب بحرا من المعلومات ولا تكفي زيارة واحدة أو حتى عدة زيارات لمعرفة أبسط المعلومات عن كل غرض من المقتنيات المحفوظة، لكنها في المجمل تبدو رائعة الجمال ومتقنة الصنع وجذابة في التصميم.
 
وللعهد التركي وقع خاص في نفسه، فهو يحتفظ بمئات القطع من ذلك العهد لا يعرفها من الفلسطينيين من تجاوزوا المائة عام، وكل قطعة أجمل من الأخرى، ويتمنى الإنسان لو أن بإمكانه أن يقتني إحداها.
 
كما تحظى الزراعة بجانب كبير من المقتنيات التي جمعها أبو إياد، وكذا الأدوات المنزلية وأدوات الزينة وأدوات الضيافة، مثل أدوات صنع القهوة وصبها وأواني الطبخ والقدور، وأدوات الإنارة وأدوات الصيد البري والبحري، والملابس واحتياجات العروس والمجوهرات، وحتى الأحذية القديمة.
 
ومن الأشياء النادرة التي توجد في المنزل المتحف أيضا فانوس للإنارة يعود إلى عهد صلاح الدين الأيوبي وختم البركة العثماني والشمعدان، وهو عبارة عن فخارة زاهية الألوان يركب عليها الشمع وترقص بها النسوة في الأعراس، والمجلخ وهو عبارة عن أداة لصيانة السكاكين وجعلها أكثر حدة وقد انتقل به صاحبه من أفغانستان إلى إيران والعراق ثم الأردن والقدس أوائل القرن الماضي.
 
وللحرف مكانتها ففي كل زاوية من المنزل تجد أدوات للحرفين، فهناك "صندوق الحكيم" الذي كان يحمله الطبيب وبداخله عشرات الأصناف من الأعشاب، وأيضا صندوق الحلاق وصندوق "المطهر" الذي يقوم بختن الرجال.
 
بدأ الحروب هوايته بجمع المقتنيات التراثية منذ أواسط الخمسينيات (الجزيرة نت)
توثيق مصور
لا يتوقف جهد المواطن الفلسطيني عند حد جمع القطع التراثية وتخزينها، بل ذهب بمساعدة أبنائه إلى تأسيس موسوعة -ربما تكون الأولى من نوعها- تتضمن صور المقتنيات وأسماءها وتاريخها واستخداماتها والمنطقة التي تشتهر بها، لكن العقبة المادية تحول دون أن ترى هذه الموسوعة النور.
 
فلم يكن اقتناء الأدوات المختلفة كافيا بالنسبة للهاوي الفلسطيني، بل بدأ منذ سنوات في تسجيل وترقيم وتصوير كل ما لديه من مقتنيات حتى لا يضيع شيء منها، وحتى يترك للأجيال موروثا ثقافيا غنيا يكون بمثابة مرجع للباحثين والدارسين.
 
ليس هذا فقط، بل يضيف إلى موسوعته جميع أهازيج وأشعار وأغاني الماضي الفلسطيني مع توضيح مناسبة ومكان قولها، سواء كانت في المناسبات الاجتماعية أو المواسم الزراعية وغيرها.
 
بعد انتهاء الزيارة همس صاحب المتحف في أذن مراسل الجزيرة نت بأن الإغاثة الزراعية الفلسطينية بالتعاون مع وزارة الآثار واليونسكو تعتزم إنشاء متحف في أريحا، معربا عن أمله في أن يرى هذا المتحف النور أو يجد من يقف إلى جانبه في تشييد متحف يناسب حجم وطبيعة المقتنيات.

المصدر : الجزيرة