يكسر الطيب صالح في هذه القصة حدود الأجناس الأدبية(الجزيرة نت-أرشيف)

 
محمد الربيع محمد صالح
 
"والبحر أرض ندائنا المستأصلة"
محمود درويش
 
الأجناس سجون تتضور الروح في أقبيتها الضيقة، ومثلما يرتفع الإنسان بالمعرفة ويحلِّق خارج حدود العرق، يكسر الطيب صالح في قصة "يوم مبارك على شاطىء أم باب" حدود التجنيس القديم، قصة، رواية، شعر إلخ.. ويدخل في وهج الكتابة المحض بعملية "انحراف معياري" تضع كامل الوحدات الجمالية في احتياطيه المعرفي لتخليق "الجسيد" يوم مبارك -الذي يمثل ذروة هذا الرصيد من أمشاج الجمال.

والنص يقترح هذا الانحراف من المطلع، إذ يبدأ في البحر: من أين يجيء البحر بكل هذا الحطب؟ وينتهي فيه: أدار ظهره للبحر وانحدر وراء التل لاحقا بأهله. بشكل يضع حمولة النص من علامات في أوقيانوس الغرابة والمغامرة والهول والموت ومن ثم الاكتساء ببرود التجدد، حيث تغادر الأشياء هوياتها القديمة وتحجل في صفحة الضوء حيث: دخلوا البحر في وهج أضواء المحض.

ومثلما يمثل البحر أكبر مظان التناص في تجربة الوجود، حيث تتساكن الكائنات والتفاصيل والأشياء في وحدة وجود عرفانية عجيبة، تتقاطع أقباس التجربة في مظنة التناص -جسيد- يوم مبارك في تقاطع عرفاني تلقى فيه العلامات والأشياء والتفاصيل لبوسها وتنغمس في ضوء الكتابة.

نص يوم مبارك على شاطىء أم باب، هو في هذه القراءة المعادل الموضوعي لفكرة البحر، والعكس صحيح، إذ أن كليهما -البحر والنص- مظان للتناص، تتقاطع التفاصيل والأشياء في أفقهما وتتحول إلى"مسرح متنقّل" بتعبير جوليا كريستيفا (1) التي تعتبر التناص هو عملية التقاطع والتشرب والتحويل التي تتم لوحدات عائدة لنصوص أخرى، وتبقى ممركزة في معنى خاص.
 
وأول تجليات هذا التناص هو تحرير التكنيك من قوانينه وعاداته، وجعل الأصوات المتحدثة في النص تبدِّل هوياتها وفق مقتضى التحولات في النص، لا كما يحدث في الواقع والمألوف، فالصوت متكلما ًومخاطباً وغائباً، يجدِّد هويته وفق مقتضى المقام الجمالي في النص، بل يكتفي في مطلع النص بالتجوهر في سؤال: من أين يجيء البحر بكل هذا الحطب؟ حيث يختفي الصوت في أبراج السؤال.

ويناصص الطيب صالح تجربته الجمالية الذاتية في أكبر عملية تحشيد لأمشاجها على شرفات اليوم المبارك على شاطىء أم باب، حيث يثاقف قراءته لتجربة عنترة ويدرجها في النسيج النصي في استدعاء بديع لجماليات الهجنة: حيث السواد ولون البنفسج واليقظة والنعاس يتجاوران في ألق مهيب.
 
كما يناصص الطيب صالح تجربته في بندر شاه، فرباب التي جاءت مكملة متسربلة باسمها مثل "سحاب في طيات سحاب" الموصوفة بأنها: خلاصة الذرية التي لم ننجبها. هي مقلوب مريود في بندر شاه الذي حمل ملخصا لجينات تاريخ/جده "ظلمات في طيات ظلمات" و"جلس مثل شعاع باهر مدمر في عرش الفوضى".
 
وفي مشهد آخر يناصص تجربة مريوم في نص مريود التي "عندما دفناها شهقت الأضواء في حافة القبر" وتجربة رباب "جسدها شفاف ينزلق على صفحة الماء كما ينزلق الشعاع على البلور".

وفي علامات العرفان -الشهر زوري ابن الفارض "أنا من الله ولي الله" و "تتصرفين مثل رابعة العدوية" يناصص الطيب صالح "أبوك أرجح منكما في موازين أهل العدل فقد أحب بلا ملل وأعطى بلا أمل وحسا كما يحسو الطائر، وعندما راودته نفسه على المجد زجرها".

وهكذا مثلما تتعانق الكائنات في مرآة وحدة الوجود العرفانية، تتعانق العلامات في مرآة وحدة الوجود الجمالية التي اقترحها الطيب صالح في نص يوم مبارك على شاطىء أم باب، الجسيد الذي يعيد قراءة تجربة الحال في مظنة التناص الجديدة حيث يدخل الجميع كائنات وتجارب وتفاصيل في وهج الكتابة المحض.


 
-------------
(1) جوليا كريستيفا، علم النص، ترجمة فريد الزاهي، دار تويقال، المغرب، ط1-1991

مقطع من يوم مبارك على شاطىء أم باب:
من أين يجيء البحر بكل هذا الحطب؟
قالت (رباب) "هذا اللوح من السويد"
"كيف عرفت أنه من السويد؟"
"ألا ترى الكتابة؟ هذه الأحرف آخر كلمة (سويدن)"
لم يمكث طويلا في البحر كما ترى لعله من صندوق سقط من سفينة
"وهذا من أين؟"
"هذا جزء من قناة"
"أعرف أنه جزء من قناة"
"من شرق أفريقيا ربما من زنجبار؟"
ألا تعرف أنهم كانوا يسقفون بيوتهم بالقنا في هذه المنطقة؟ هذه القنا عمرها على الأقل مائة عام، نقلتها المراكب الشراعية ربما إلى البحرين أو عُمان، على الأرجح إلى عُمان.
"لماذا عمان؟"
قالت كأنني تلميذ بطيء الفهم "ألا تعرف الصلة بين عُمان وزنجبار؟"
ضحكت وقالت (رباب) "لعلهم هدموا البيت وبنوا مكانه بيتا من الأسمنت، أو تهدم وحده، ألا تعرف أنهم كانوا يبنون بيوتهم على سيف البحر؟"
"ما معنى سيف البحر؟"
"يعني شاطىء البحر"
"لماذا!"
"الهواء أبرد وأيضا لأن حياتهم كلها كانت على البحر"
"ماذا قال عنترة في القنا؟"
نظرت إلى نظرة عاتبة بعينيها السوداوين كأنهما بحيرتان جبليتان عند الغروب بين السواد ولون البنفسج بين اليقظة والنعاس، كانت تحب شعر عنترة لكنها ظنت أني امتحنها فلم تجب، جمع الأطفال حطباً كثيراً جعلوا منه كوما هائلا على ساحل البحر، أوقفتهم (رباب) صفا مثل طابور عسكري وقسمتهم قسمين، قسماً أمرته أن يتجه يمينا وقسماً يتجه شمالاً، جعلت على كل فرقة قائدا وهي القائد الأعلى، لم تكن أكبرهم سنا، وكان في الجيش ذكور لكنهم أذعنوا لإمرتها بلا جدال، في التاسعة من عمرها وأشهر ولدت في الصيف، والآن أول الربيع ابنتنا الوحيدة بل هي كل من أنجبنا، تأخرنا لأننا ظللنا ننتظر أحدنا الآخر (الرجل) في الخمسين (المرأة) في الأربعين ليس خيالاً، هذا يحدث أحياناً أغلب الناس يتزوجون كيفما اتفق لأن الظروف مواتية، لأن الشخص لا غبار عليه، لأن العمر يمضي، إنما قلة من الأرواح المختارة يطلب بعضها بعضا، لا تستقر حتى تجد إحداها الأخرى، في المدينة وهما سائران من الحرم النبوي بعد صلاة الفجر، في اللحظة التي رفع وجهه إليها رفعت وجهها إليه، تماسكت عيونهما وكأن الضوء حول المآذن نبع يتفجر من تحت اقدامها:
"أنت فلانة؟"
"نعم"
"من كيت وكيت"
"نعم"
"من وراء أزرعات: آه، أنت أم رباب"
"وأنت فلان"
"نع"
من كيت وكيت وأهلك كذا وكذا، يا له من يوم مبارك - الحمد لله"
"هل تعذبت كثيرا؟"
"وأنت، سوف نتسلى بذلك في ليالي الشتاء الطويلة"
بعد أن اعتمرت جاءت إلى المدينة مع أخيها الأكبر وأمها وأختها، وكنت وحيدا،ً تزوجنا في تلك الساعة عند باب المسجد وعقدنا بعد صلاة العصر، وأولمنا ليس أكثر مما فعل الرسول في زواج ابنته فاطمة، ودعونا أهل الصفة ومن وجدنا من فقراء المدينة.
 
. ناقد وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة