صورة تبين مدخلا لشبكة كهوف سفلية يعتقد العلماء أنها تعود لقبائل المايا (الأرشيف-الأوروبية)

مازن النجار

أعلن باحثون أركيولوجيون مكسيكيون مؤخرا عن اكتشاف متاهة مكونة من 14 كهفا بعضها تحت الماء تعود لحضارة شعب المايا وكانت مليئة بمعابد صخرية وأهرامات وتماثيل كهنة وخزف وبقايا بشرية، وذلك في شبه جزيرة يوكاتان بالمكسيك، وفقا لـ"ناشيونال جيوغرافيك".

وقد دفع هذا الاكتشاف الخبراء بحضارة المايا إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الشبكة من الكهوف والمعابد مستلهمة من ميثولوجيا وأساطير المايا أم العكس بحيث جاءت الأساطير مستوحاة من تصميم ومفاهيم مجمع الكهوف والمعابد المكتشفة.

فوفقا لمعتقدات المايا، ينبغي لنفوس الموتى أن تقتفي أثر كلب يستطيع الرؤية في الظلام خلال طريق مائي عسير وتعاني في رحلتها التطهيرية هذه تحديات ومصاعب جمة قبل الوصول في النهاية إلى راحة الحياة الآخرة.

انهيار غامض
وكان الباحثون قد وجدوا في أحد هذه الكهوف المكتشفة مؤخرا طريقا مرصوفا بطول 90 مترا تقريبا وينتهي إلى عمود منتصب أمام بركة ماء. ويسجل الباحثون أن العثور على معابد مجاورة للمياه أصبح نمطا متكررا في هذا الاكتشاف المنسوب إلى المايا.

وربما كان إنشاء هذه المعابد والكهوف المائية جزءا من طقوس (الموت والتطهير) بالغة التفصيل، فكل شيء هناك يتصل في نهاية المطاف بالموت والحياة والقرابين البشرية.

شهدت حضارة المايا ازدهارها وعنفوانها في الفترة التاريخية بين منتصف القرن الثالث الميلادي (عام 250) ونهاية القرن التاسع الميلادي (عام 900) تقريبا، وعلى امتداد الأرض من جنوب المكسيك وعبر غواتيمالا إلى شمال هندوراس البريطانية المعروفة اليوم بـ"بيليز"، قبل انهيارها الغامض.

قام علماء الآثار المكسيكيون بحفر الأتربة والأنقاض المحيطة بالمعابد والأهرامات في قرية تَتزيبيتشن بمنطقة مِريدا، عاصمة ولاية شبه جزيرة يوكاتان.

رحلة التطهير

صورة من الداخل لشبكة كهوف سفلية يعتقد أنها تعود لقبائل المايا (الأرشيف-الأوروبية)
كان أقدم ما عثر عليه مركب يعود إلى 1900 سنة، بينما تعود معظم الفخاريات والتماثيل المكتشفة إلى الفترة بين 750 و850 ميلادية.

كذلك عثر هذا الفريق من علماء الآثار الذين عملوا في مشروع استكشاف شبه جزيرة يوكاتان لمدة ستة أشهر في الكهوف على حجارة (صخور) وأعمدة وتماثيل للكهنة. ووجدوا أيضا بقايا بشرية وخزفيات (سيراميك).

ويقول الباحثون إن الأسطورة القديمة التي يصفها جزئيا كتاب المايا المقدس "بوبيُل فوه" (Popul Vuh) تتحدث عن رحلة عذاب بالغة المشقة من خلال الدم النازف والخفافيش والعناكب، والتي ينبغي أن تعانيها نفوس الموتى من أجل الوصول للعالم السفلي أو زيبالبا (Xibalba).

في هذا السياق، تكون الكهوف هي البوابات الطبيعية للعوالم الأخرى، وهذا ربما ما أوحى بأسطورة أو طقوس الموت عند المايا. هذه الكهوف ترمز للظلام والخوف والوحوش الضارية.

أهمية البرزخ
لكن ذلك لا يبدو متناقضا بالضرورة مع نظرية أن أساطير الموت عند المايا هي التي أوحت ببناء المعابد على هذا النحو. فبعض الخبراء الأميركيين بتاريخ وحضارة المايا يعتقد أن هذه المتاهة من معابد الكهوف قد بنيت بالفعل بعد نشوء القصة.

ويؤكد الخبراء أن أساطير الموت والحياة الآخرة عند المايا قد جاءت أولا، وأن هذه الكهوف هي تكرار وتوكيد لأساطير شعب المايا بشأن الزمان والمكان في إطارها العام. ويعتبر اكتشاف هذه المعابد تحت الماء مؤشرا على الجهد الكبير الذي بذلته المايا في إنشاء هذه البوابات.

وإضافة إلى عملهم في أعماق الغابات للوصول إلى مداخل الكهوف، كان على بناة المايا أن يحبسوا أنفاسهم ويغوصوا تحت سطح الماء ليتمكنوا من بناء بعض هذه المعابد والأهرامات.

وكانت بوابات أخرى لعالم المايا السفلي قد تم اكتشافها في الغابات وكهوف فوق الأرض بشمال غواتيمالا وفي بيليز. لقد كان المايا يؤمنون بحقائق متعددة الطبقات، وكانت بوابة العالم السفلي كبرزخ بين الحياة ومستقر الموتى (الدار الآخرة) في غاية الأهمية بالنسبة لهم.

المصدر : الجزيرة