سولجنتسين ينزل من الطائرة في مطار فرانكفورت منتصف فبراير/ شباط 1974
(الأوروبية-أرشيف)
 
لعقود طويلة انتقد الأديب ألكسندر سولجنتسين النظام السوفياتي الذي دمر الإنسان جسدا وروحا حسب قوله, وكلفته معارضة هذا النظام منفى استمر عقدين, لكنه حين عاد إلى بلاده عام 1994 والاتحاد السوفياتي قد انهار, بدأ معارضة جديدة, هذه المرة ضد ثقافة غربية "ضعيفة ومنحطة بدأت تتسرب إلى بلاده روسيا التي يرى فيها مهد المسيحية الأرثوذكسية".
 
بدأ سولجنتسين -الذي توفي أمس بسكتة قلبية عن 89 عاما- نجاحه عام 1962 مع رواية "يوم في حياة إيفان دينيزوفيتش" التي حكى فيها عن "طاحنات اللحم" البشري في معسكرات الأشغال الشاقة التي أنشأها جوزيف ستالين.
 
ستالين كان السبب في إرسال سولجنتسين إلى أحد هذه المعسكرات, حين ضبطت رسالة بعث بها إلى صديق عام 1945 -وكان حينها نقيبا في الجيش الأحمر- انتقد فيها الرجل ذا الشارب كما كان يسمي ستالين.
 
إيفان دينيزوفيتش
صورت رواية "يوم في حياة إيفان دينيزوفيتش" نضال نجار ليبقى حيا في معسكر أشغال شاقة أرسل إليه مع نهاية الحرب العالمية, حاله حال سولجنتسين.
 
لم تنشر الرواية حينها إلا لأن هرم القيادة السوفياتية تغير, وكان هناك رئيس اسمه نيكيتا خروتشوف حريص على إظهار عيوب سلفه.
 
لكن برحيل خروتشوف عادت المتاعب لتلاحق سولجنتسين, وينتهي الأمر به عام 1973 بتجريده من جنسيته ثم نفيه في العام التالي إلى ألمانيا الغربية, بعدما نشر في باريس روايته الشهيرة "أرخبيل الغولاغ" التي سمحت للملايين بمعرفة تفاصيل حياة معسكرات السخرة.
 
"
الغرب رأى في سولجنتسين نصيرا لقيمه في روسيا السوفياتية، لكنه اكتشف فيه شخصية لا تهادن، إذ فاجأ سولجنتسين أنصاره عندما قال في خطاب عام 1978 إن الديمقراطية التعددية الغربية لا تصلح نموذجا لكل البلدان
"
شخصية لا تهادن
غير أن الغرب الذي رأى في الكاتب نصيرا وفيا لقيمه داخل روسيا السوفياتية, اكتشف فيه شخصية لا تهادن أيضا, وفاجأ سولجنتسين أنصاره عندما قال في خطاب في هارفارد عام 1978 إن "الديمقراطية التعددية الغربية" لا تصلح نموذجا لكل البلدان.
 
في العام 1994 عاد سولجنتسين إلى روسيا من منفاه الأميركي, وقرر ليتعرف على وطنه من جديد أن يطوفه في رحلة دامت 56 يوما, وكم كانت خيبته حين اكتشف أن في روسيا كثيرين لم يقرؤوه, وقرر هو الانعزال في بيت بإحدى ضواحي موسكو ولم يكن يظهر للعلن إلا قليلا.
 
احتقر سولجنتسين الرئيس الراحل بوريس يلتسين وحمله مسؤولية انهيار الاقتصاد وظهور طبقة متنفعين اشتروا كبريات المؤسسات الاقتصادية بثمن بخس, ورفض أن يتسلم منه أعلى وسام تقدير روسي.
 
سولجنتسين وبوتين
كما اختلف مع فلاديمير بوتين واتهمه بعدم فعل ما يكفي للقضاء على طبقة الأقلية الحاكمة, لكن أفكار الرجلين بدأت تدريجيا تلتقي, فقد رأى بوتين في سولجنتسين مرآة لانتقاداته الطويلة للغرب, وتأكيدا من أديب كبير لنظرة يحملها مفادها أن روسيا حضارة مختلفة لا تنطبق عليها معايير الديمقراطية الغربية, بما يقدم له ذلك من تبريرات في طريقة ممارسة الحكم.
 
وصفه الرئيس الروسي الحالي ديمتري مدفيديف بأحد "أكبر مفكري القرن العشرين"، وقال عنه ميخائيل غورباتشوف إنه "لعب دورا محوريا في القضاء على نظام جوزيف ستالين الشمولي".
 
السكتة الأدبية
لكن زوال هذا النظام الستاليني الشمولي كان تحديدا وراء نضوب إنتاج سولجنتسين الأدبي في السنوات الأخيرة كما قال الكاتب دي.أم توماس عام 1998، "فمنفاه بعيدا عن موضوعه الرئيسي -الستالينية والغولاغ- كشف عيوبه الكبرى".
 
وهكذا لم ير بعض النقاد في مجلدات "العجلة الحمراء" التي عكف على كتابتها في السنوات الأخيرة وأرخ بها لروسيا ما قبل الثورة البلشفية, إلا كتبا رتيبة تفتقد إلى نار توهجت بها النجاحات الأولى.
 
بالنسبة  لدي.أم توماس لم تكن نجاحات سولجنتسين إلا "إسقاطا لعنف فيه مكبوت كان يضطرم"، وعندما خبا العنف خبت النار في أعماله اللاحقة, فكان كمن أصيب "بالسكتة الأدبية".

المصدر : وكالات