الآشوريون حضارة استخدمت الإعلام في خدمة السياسة

تامر أبو العينين-زيورخ

استضافت جامعة زيورخ هذا الصيف معرضا تحت عنوان "ملوك على نهر دجلة" ضم آثارا آشورية جمعتها من متاحف أوروبية مختلفة، لتضع تحت سقف واحد حقبة هامة من تاريخ الإنسانية يرى علماء الآثار والمؤرخون أنها جمعت بين القوة والسياسة والحضور الإعلامي بما يتوافق مع إمكانيات ذلك العصر.

الآثار المعروضة كانت ضمن القصور الآشورية في مدينة نمرود ومنطقة وادي النمرود التي تقع على بعد 35 كيلومترا جنوبي الموصل وعلى الجانب الشرقي من نهر دجلة، وتم اكتشافها في القرن التاسع عشر قبل أن تنتقل تباعا إلى المتاحف الأوروبية.

علامات القوة

توضح النقوش الآشورية الانتصار على اليهود وكيف ركع ملكهم في قصور الآشوريين (الجزيرة نت)
ويقول أستاذ العلوم الدينية بجامعة زيورخ كريستوف أولينغر للجزيرة نت "تتميز المنحوتات الآشورية بالتركيز على صرامة ملامح الوجه وقوة العضلات وحركات اليد التي توحي بالقوة والعظمة كما ضمت لوائح وقوانين بالكتابة المسمارية، كانت توظيفا إعلاميا متعمدا في ظاهرة لم تكن مألوفة آنذاك وتم استخدامها كرسائل سياسية إلى الممالك المجاورة".

ويرى أولينغر ضرورة ربط الآثار الآشورية بالمناخ السياسي الذي كان سائدا في تلك الحقبة، فشرقا كانت الإمبراطورية الفارسية وغربا كان ملوك اليهود، ووصل تأثير حضارة ما بين النهرين إلى الحبشة في أفريقيا، ولذا "فلتلك الحضارة أهمية دينية أيضا، توضحها النقوش الحجرية المختلفة، لاسيما تلك التي تصور الانتصار على اليهود وكيف ركع ملكهم في قصور الآشوريين".

ويقدم المعرض عددا من الوثائق باللغة المسمارية التي وضع فيها الآشوريون أنظمة الدولة والمعاملات التجارية والقوانين والأحكام بل ووتيرة الحياة اليومية، ويقول علماء الآثار "كان هذا النظام أبلغ دعاية إعلامية لهم إلى العالم حيث كان زوار ما بين النهرين يتناقلون تلك الأنظمة الحديثة في رواياتهم، فأعطوا الانطباع بأنهم مملكة قوية ومتحضرة سبقت من حولهم".

تنافس وتهريب

نقل المستشرقون الآثار العراقية إلى الغرب خلسة أو بموافقة السلطات العثمانية (الجزيرة نت) 
وتشير أمينة المعرض إلينا مانغو للجزيرة نت إلى أن المستشرقين "نقلوا أغلب تلك الآثار من العراق إلى الغرب منذ منتصف القرن التاسع عشر، إما خلسة وإما بموافقة السلطات العثمانية التي كانت تمنحهم حق التنقيب عن الآثار".

لكن بعض المؤرخين يشككون في صحة تلك الادعاءات ويطالبون بالكشف عن الوثائق التي تثبت أن العثمانيين منحوا بالفعل تصاريح خروج لتلك الآثار العراقية من مكانها وملابسات الحصول على تلك التصاريح.

ويستند أولئك المؤرخون إلى أن ممثلي التاج البريطاني في العراق في القرن التاسع عشر كان لهم ضلع في نقل تلك الآثار الضخمة إلى أوروبا، مثل الدبلوماسي البريطاني أوستين هنري لايارد الذي لم يخف اهتمامه بالتنقيب عن الآثار الآشورية في نينوى منافسا القنصل الفرنسي في الموصل بول أميل بوتا، ثم تنافس الألمان والسويسريون والإيطاليون على المشاركة في أعمال التنقيب عن الآثار.

ويقول البروفسور أولينغر للجزيرة نت إن الآثار العراقية تراث إنساني يضرب في أعماق التاريخ، حيث تواصلت الحضارة الآشورية منذ عام 2000 قبل الميلاد حتى عام 250 بعد الميلاد، وتسجل مراحل هامة من مسيرة البشرية لاسيما أن بلاد الرافدين كانت نقطة التماس بين الفرس والعرب من ناحية، ومحور تلاقت حوله مختلف الديانات التي ظهرت في تلك المساحة الجغرافية.

لكنه في الوقت نفسه يشدد على ضرورة عودة الآثار العراقية إلى مكانها ودعم العراقيين في ترميم ما تلف منها وإعادة بناء المناطق التاريخية التي شهدت تلك الأحداث و"تطبيق الطرق الحديثة في التوثيق للحفاظ على هذا الإرث الإنساني".

وتؤكد كمية الآثار العراقية الموجودة في متاحف أوروبا أو المختفية لدى الهواة والتجار، أن آثار العراق "تعرضت لنهب من علي بابا وأربعين ألف لص" حسب رأي خبير الآثار لدى اليونسكو ريشار.

المصدر : الجزيرة