"الزجاج المعشق" بالجبس فن إسلامي يحتاج إلى من يتذوقه ليفهمه ويستشعر جماله (الجزيرة نت)

بدر محمد بدر-القاهرة

تعاني الحرف وفنون العمارة الإسلامية التراثية القديمة في مصر أزمة شديدة ومستمرة منذ سنوات نتج عنها اندثار وانقراض بعضها وانتهاء معلميها وطلابها. هذا الوضع ينطبق على حرفة صناعة الطراز الإسلامي من "الزجاج المعشق".

وصناعة "الزجاج المعشق" (الزجاج الممتزج بالجبس) نشأت أيام الدولة الأموية وظهرت في الأجزاء العليا من المساجد, حيث تتم تصفية الضوء بدرجة من الخشوع الروحاني بما يناسب قداسة المسجد ومناخه.

أشكال هندسية

الطراز الإسلامي يحتاج إلى فنان مثقف ومتعلم ومحترف (الجزيرة نت)
وفي المسجد اتخذ الزجاج تصميمات زخرفية كأشكال الزهور والنباتات والطيور وحتى الأشكال الهندسية. وقد وجد "الزجاج المعشق" وارتبط بالعمارة الإسلامية في الأندلس في الدولة الأموية، وهذا الطراز موجود حاليا بكثرة في مصر وسوريا والعراق وفلسطين والمغرب العربي.

الجزيرة نت التقت الحاج إبراهيم عبد الخالق وهو متخصص في زخرفة وصناعة الزجاج "المعشق" بالطراز العربي والإفرنجي، وتعلم المهنة على أيدي الرواد بوكالة الغوري, وعمل بها منذ أن كان عمره 17 عاما.

ويقول عبد الخالق "الطراز الإسلامي هو الأقرب لنفسي لأن له بداية ونهاية، ومقاساته هندسية دقيقة تحتاج إلى فنان مثقف ومتعلم ومحترف, خاصة في فن الرسم وعلم الرياضيات".

التقينا أيضا الفنان والحرفي حسين بن الحاج إبراهيم الذي كان يعمل بوكالة الغوري وتركها منذ سنوات, يقول حسين إنه كان يعمل بورشته منذ الطفولة عن حب ورغبة في التعلم, وأتقن حرفة "الزجاج المعشق" بالجبس كفن إسلامي يحتاج إلى من يتذوقه ليفهمه ويستشعر جماله.

البحث عن الموهوبين

يطلق على "الزجاج المعشق" بالجبس اسم القمريات وهو فن روح الخشوع داخل المسجد (الجزيرة نت)
وفي مركز طلعت حرب الثقافي بحي السيدة نفيسة التقينا مدرب "الزجاج المعشق" محمد الديب الذي أوضح أنه وضع خطة لتدريب 15 فردا لمدة 9 ساعات أسبوعيا وعبر عدة دورات يختار المتميزين منهم ليصبحوا جزءا من فريق العمل، وهو يحاول أن يكتشف النابغين وينمي مواهبهم.

ويلفت الديب إلى أن "الزجاج المعشق" بالجبس كان يطلق عليه اسم القمريات، وأبدعها الفنان المسلم بعلمه وفكره العميقين، "فهذا الفن يزيد روح الخشوع داخل المسجد، وهذا واضح في كل المساجد القديمة ومنها مسجدا السلطان حسن وأحمد بن طولون".

مدير مركز الحرف التقليدية بمدينة الفسطاط الفنان التشكيلي عبد الحكيم سيد أكد للجزيرة نت اهتمام وزارة الثقافة بـ"الزجاج المعشق" كفن تقليدي، مشيرا إلى أن الصعوبات التي نواجهها نحاول حلها بإيجاد أنماط وظيفية مختلفة وأقسام مختلفة لجميع الحرف التراثية.

رئيس جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة عز الدين نجيب أوضح في حديثه للجزيرة نت أن "الزجاج المعشق" بالجبس ارتبط بالعمارة الإسلامية ونشأ وتطور معها, وأول نماذج له في مسجد قبة الصخرة بفلسطين وفي جامع أحمد بن طولون بالقاهرة.

الفن البيزنطي

حتى لا ينقرض فن صناعة "الزجاج المعشق" لا بد أن يرثه الأبناء عن الأجداد (الجزيرة نت)
أما "الزجاج المعشق" بالمفهوم الغربي فهو منقول عن الفن البيزنطي حيث إنه ممتزج بالرصاص, وهو معتم وليس له لون بعكس "الزجاج المعشق" بالجبس, فلونه أبيض وبأقل إضاءة داخلية يظهر بياضه.

ويؤكد رئيس جمعية أصالة أن الانتشار الأكبر الآن للطراز الإفرنجي والزجاج الممتزج بالرصاص لارتباطه بالفلل، ولكن كليهما (الممتزج بالجبس أو الرصاص) خرج من إطار العمارة الدينية ولم تعد لهما صلة بها مثل الكثير من الحرف التي خرجت من منظومة المعتقدات والقيم.

ويحذر من انقراض نظام توريث الحرفة "لأن الآباء يعيشون معاناة البطالة وضيق فرص الحياة الكريمة بسبب تدهور الاهتمام بحرفهم, ولذا فلن يورثوها لأبنائهم الذين لهم تطلعات جديدة".

ويشدد نجيب على ضرورة تأسيس مجلس أعلى للحرف التراثية في مصر, وإلا ستنقرض الحرف الواحدة تلو الأخرى في عشر سنوات, كما انقرض "الزجاج المعشق" وبسبب الإهمال سينقرض ما تبقى.

المصدر : الجزيرة