درويش أعاد إنتاج التجربة الفلسطينية ولخص مأساة الخروج (الجزيرة نت-أرشيف)

فخري صالح

في مجموعته الشعرية "لماذا تركت الحصان وحيدا" (1996) يصرح محمود درويش أن (... من يكتب حكايته يرثْ/ أرض الكلام، ويملك المعنى تماما!).
 
ويمكن أن نلخص تجربة درويش بأنها تطمح إلى كتابة الحكاية الشخصية المعجونة بالحكاية الجماعية الفلسطينية، وإضفاء معنى على هذه الحكاية من خلال تصعيد التجربة الفلسطينية وأسطرتها والكشف عن البعد الملحمي فيها، بالشخوص والحيوات وحشد الاستعارات والصور المركبة التي تزدحم في قصائده بدءا من "أوراق الزيتون" (1964) وصولا إلى "سرير الغريبة"(1999).

لقد تبلورت خيارات درويش الشعرية في سياق هذا الطموح، ولكنه ظل مشدودا، في مراحل تطور تجربته ونضجها، إلى حالة المخاض التي مر بها الشعر العربي منذ نهاية الأربعينيات، وإلى الانتهاكات الشكلية التي أوصلت شعرنا المعاصر إلى ما تحقق على يدي درويش وأقرانه من الشعراء العرب الكبار خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

تطورت تجربة الشاعر من خلال احتكاكها بالتجارب الشعرية العربية في البدايات، واستطاع درويش أن يهضم التطويرات الشكلية والخيارات التعبيرية لهذه التجارب ويعيد صياغتها بما يخدم قصيدته وطموحه للتعبير عن مأساته الوطنية والمقاومة الفلسطينية الطالعة في تلك المرحلة التي صعد فيها نجمه كشاعر بارز من شعراء جيل المقاومة.
 
لكن الطبيعة المباشرة، والصور الجاهزة والموتيفات المتكررة والنبرة العالية، لشعر المقاومة لم تسكت في شعر درويش ذلك الطموح إلى كتابة قصيدة منفلتة من أسر الجاهز والمباشر والنبرة العالية؛ فعلى حواشي "سجل أنا عربي" كانت التجربة الدرويشية تنسج عالمها وصورها وحلولها التعبيرية بعيدا عمّا أصبح كليشيهات شعر المقاومة الفلسطينية.
 
"
تطورت تجربة درويش من خلال احتكاكها بالتجارب العربية واستطاع أن يعيد صياغتها بما يخدم طموحه للتعبير عن مأساته الوطنية والمقاومة الفلسطينية الطالعة في تلك المرحلة والتي برز فيها كشاعر من شعراء المقاومة
"
عاشق من فلسطين
ونعثر في "أوراق الزيتون"، وأيضا "عاشق من فلسطين" ( 1966) على بذور تطور تجربة درويش الطامحة إلى الانفلات من أسر الشخصية القالبية لشعر المقاومة، وذلك عبر الاحتفال بالحسي، وتوليد الصور الشعرية المركبة والغريبة التي أصبحت من العناصر الأساسية في تجربة الشاعر عبر منعرجات تطورها.
 
بهذا المعنى يمكن النظر إلى مجموعات درويش الأولى بوصفها تمارين في الكتابة الشعرية التي ستأتي لاحقا، وستتحقق الانعطافة البارزة في شعر درويش من خلال مجموعتيه "هي أغنية، هي أغنية" (1986) ثم "ورد أقل" (1987) حيث تصبح القصيدة أكثر كثافة واختزالا، وأكثر التفاتا إلى ما هو كوني في التجربة.
 
ثمة في قصائد هاتين المجموعتين اشتغال على ثيمات صغيرة كانت مهملة ومقصاة في شعر درويش السابق، ومحاولة لأنسنة الهزيمة والخسارات التي يحولها الشاعر إلى أغان للعادي والبسيط والمشترك الإنساني في لحظات الهزائم الشخصية والجماعية.

إن درويش يجدل، في هاتين المجموعتين، التطوير الشكلي بمسرحة المأزق الفلسطيني بعد الخروج من بيروت عام 1982 حيث يتجلّى انسداد الأفق في صور شعرية تعبر عن الإرهاق وفقدان الأمل والإحساس بالتراجيديا الفلسطينية، وقد قاربت عناصرها على الاكتمال. وفي ذروة هذا الانسداد والتيقن من اليأس الشامل، يفتح الشاعر قصيدته على أمل غامض يتمثل في نهايات القصائد المفتوحة:
 
تضيق بنا الأرض. تحشرنا في الممر الأخير، فنخلع أعضاءنا ونمر
وتعصرنا الأرض. يا ليتنا قمحها كي نموت ونحيا. ويا ليتها أمنا
لترحمنا أمنا. ليتنا صور للصخور التي سوف يحملها حلمنا
مرايا. رأينا وجوه الذين سيقتلهم في الدفاع الأخير عن الروح آخرنا
بكينا على عيد أطفالهم. ورأينا وجوه الذين سيرمون أطفالنا
من نوافذ هذا الفضاء الأخير. مرايا سيصقلها نجمنا.
إلى أين نذهب بعد الحدود الأخيرة؟ أين تطير العصافير بعد السماء
الأخيرة أين تنام النباتات بعد الهواء الأخير؟ سنكتب أسماءنا بالبخار
الملون بالقرمزي سنقطع كف النشيد ليكمله لحمنا
هنا سنموت. هنا في الممر الأخير. هنا أو هنا سوف يغرس زيتونه... دمنا. (ورد أقل، ص: 17)
 
الشرط التراجيدي
يعيد درويش إنتاج التجربة الفلسطينية، يلخص الشرط التراجيدي للوجود الفلسطيني بعد الخروج. في هذه المرحلة من مراحل تطور تجربته الشعرية، يجدل الشاعر ما هو وطني قومي بما هو إنساني، لتصبح التجربة الفلسطينية وجها آخر من وجوه عذاب البشر على هذه الأرض.
 
 الروح الفلسطينية المعذبة.. عبر درويش عن صمودها وبحثها عن الخلاص (الفرنسية-أرشيف)
وهو يسعى بدءا من مجموعته الشعرية " أرى ما أريد" (1990) وصولا إلى مجموعته الأخيرة "سرير الغريبة" (1999) إلى تطعيم عالمه بمشاغل شعرية ذات طموح كوني. بهذا المعنى لم تعد عناصر التجربة الفلسطينية تحتل بؤرة شعر درويش.
 
 بل إن عناصر هذه التجربة أصبحت تتخايل عبر الأساطير التي ينسجها الشاعر أو يعيد موضعة عناصرها التي يقوم باستعارتها من حكايات الآخرين، ومن ثمّ يجدلها بحكاية شعبه وحكايته الشخصية كذلك.

أصبح درويش في هذه المرحلة صانع أساطير، يولّد حكايات من حكايات ويبني عالما أسطوريا تتمازج فيه حكايات الشعوب وأحلامها في أرض القصيدة التي تسعى إلى وضع حكاية الفلسطينيين في أفقها الكوني، وتخليصها من محليتها ومباشريتها.
 
وقد انعكس ذلك غموضا فاتنا على صوره وعالمه الشعري الذي ظل يحاول، لفترة زمنية طويلة، التخلص من حمولته السياسية المباشرة لصالح إنجاز قصائد كبيرة قادرة على أن تجدل الراهن بالعابر للتاريخ والمتجدد عبر الزمن.

مستوى آخر في عملية التخليق الأسطوري يحققه درويش في قصائد "هدنة مع المغول أمام غابة السنديان"، "مأساة النرجس ملهاة الفضة"، "الهدهد". وهي تمثل في مجموعها تأوّج تجربة درويش وبلوغها مرحلة مدهشة من النضج الشعري، وخصوبة الدلالة والقدرة على جدل الحكاية الفلسطينية بحكايات التاريخ المستعادة.
 
شعر إنساني
"
تحضر الأندلس وحكايات الهنود الحمر وحكاية الشاعر وريتا وسوفوكليس والكنعانيون، ليشكل الشاعر من هذه المادة التاريخية الشخصية صيغة للتعبير غير المباشر عن حكاية الفلسطينيين الخارجين "من الأندلس"
"
في هذه القصائد تتداخل الحكايات، ويصبح من الصعب على القارئ أن يفصل عناصر حكايتنا عن عناصر حكايتهم؛ وهو ما يرقى بشعر درويش، في هذه المرحلة، ليصبح شعرا إنسانيا خالدا قادرا على التعبير عن حكاية البشر، لا حكاية بعض البشر. وهذا ما تقوم به، خير قيام، الأسطورة التي تعمل على تمثيل الأنماط الكونية من خلال شخوصها الرمزيين ولغتها الرمزية الشاملة.
 
ينتقل درويش في مجموعته "أحد عشر كوكبا" (1992) التي لا يزايلها هاجس الأسطرة والتخليق الأسطوري، إلى رواية الحكاية الفلسطينية من خلال رواية حكايات الآخرين، مبددا بذلك شبهة المباشرة والعاطفية المفرطة، وموفرا كذلك محورا كونيا للتجربة الفلسطينية ببعديها الرمزي والواقعي.
 
في هذا السياق، تحضر الأندلس وحكايات الهنود الحمر وحكاية الشاعر وريتا وسوفوكليس والكنعانيون، ليشكل الشاعر من هذه المادة التاريخية الشخصية صيغة للتعبير غير المباشر عن حكاية الفلسطينيين الخارجين "من الأندلس".
 
إن شعر درويش يعبر عن الروح الفلسطينية اللائبة المعذبة الباحثة عن خلاص فردي جماعي من ضغط التاريخ وانسحاب الجغرافيا، لكنه في "أحد عشر كوكبا" يقدم أمثولات تاريخية صالحة للتعبير عن التجربة الفلسطينية، من بين تجارب أخرى.
 
إن صورة العرب الخارجين من الأندلس في قصيدة "أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي" (ص: 8) وصورة الهنود الحمر في "خطبة" "الهندي الأحمر" -ما قبل الأخيرة- أمام الرجل الأبيض" (ص: 33) تمثل كل منهما استعارة بدْئية (نمطية) Archetype تتطابق مع صورة الفلسطيني المشرد المقتلع المرتحل بعيدا عن أرضه.
 
الهندي الأحمر
ودرويش يكشف عن سر استعارته حين يضع عبارة "الهندي الأحمر" بين مزدوجيتن مومئا إلى هندي أحمر معاصر، هندي أحمر فلسطيني يعرض في "خطبته" مفارقة انتصار الآخر وهزيمته هو.

هكذا يعيد درويش قراءة تاريخ الأندلسيين الخارجين من الأندلس حيث يلعب الماضي دوره بوصفه مرآة للحاضر، وتضيء صورة "العرب الخارجين من الأندلس" هزيمة الحاضر المدوية، وتختلط الفاجعة بالأمل، بذكرى الفردوس الأندلسي الفلسطيني المفقود:

الكمنجات تبكي مع الغجر الذاهبين إلى الأندلس
الكمنجات تبكي على العرب الخارجين من الأندلس
الكمنجات تبكي على زمن ضائع لا يعود
الكمنجات تبكي على وطن ضائع قد يعود (ص: 29)
 
أما في "خطبة "الهندي الأحمر" -ما قبل الأخيرة- أمام الرجل الأبيض" فإن التطابق بين صورة الهندي الأحمر، في فضائها التاريخي، وصورة الفلسطيني المعاصر، يبدو حادا تماما على خلفية وصول المشروع الوطني الفلسطيني إلى انعطافة تاريخية مؤرقة.
 
ومن ثمّ تبدو خطبة الهندي الأحمر بمثابة تسليم أن الفضاء التاريخي الجغرافي أصبح محتلا بالآخر، بحديده وطائراته وأيديولوجيا الجنون التي يحملها معه.
 
درويش: إلى أين نذهب بعد الحدود الأخيرة؟ (الفرنسية-أرشيف)
أسماء وبندقية
إن المتكلم في القصيدة "الهندي الأحمر" والعناصر الزمانية والمكانية، والصور الشعرية والرموز المركبة فيها، يمكن تحويرها لتدل على الفلسطيني في شرطه التاريخي المعقد، واصطدامه بجدار مشروعه التاريخي.

... أسماؤنا شجر من كلام الإله، وطير تحلق أعلى من البندقية. لا تقطعوا شجر الاسم يا أيها القادمون
من البحر حربا، ولا تنفثوا خيلكم لهبا في السهول
لكم ربكم ولنا ربنا، ولكم دينكم ولنا ديننا ( ص: 40).
 
إن الأفق يبدو قاتما في هذه القصيدة، كما أن حضور عناصر الطبيعة التي تختزن أشباح المهزومين وتذوبهم ليصبحوا جزءا منها، يعيد شعر درويش إلى محوره الأسطوري حين تنفتح القصيدة على فضاء الغرابة والدهشة والمرارة والإحساس الغائر بالفاجعة:

هنالك موتى يضيئون ليل الفراشات، موتى
يجيئون فجرا لكي يشربوا شايهم معكم، هادئين
كما تركتهم بنادقكم، فاتركوا يا ضيوف المكان
مقاعد خالية للمضيفين.. كي يقرؤوا
عليكم شروط السلام مع الميتين! (ص: 51)

المصدر : الجزيرة