تمثال جبران على مدخل المتحف (الجزيرة نت)

حسين جلعاد-بشري (شمال بيروت)
 
الذهاب إلى متحف الأديب اللبناني جبران خليل جبران أشبه برحلة روحية، حيث يتطلب السفر نحو 120 كلم إلى بلدة بشري شمال شرق العاصمة بيروت، بما يصادفه الزائر من طبيعة جبلية خلابة تبهج ناظريه وقلبه، وصولا إلى جبال الأرز الشهيرة ووادي قاديشا "المقدس"، حسب ما تشير اللافتات الرسمية نظرا لكونه يحوي أماكن مسيحية دينية ومزارات لقديسين.
 
علاوة على أن صاحب كتاب "النبي" و"الأجنحة المتكسرة" مدفون فعلا في دير سابق يعود تاريخه إلى القرن السابع الميلادي. ويوجد قبر جبران تحديدا في مكان يدعى "المحبسة"، وهي الغرفة التي كان الراهب في العصور القديمة يختار العيش فيها وينقطع عن العالم طيلة حياته مكتفيا بالدعاء والصلاة.
 
المحبسة أو مدفن جبران اليوم كانت مغارة قديمة تعاقب عليها الرهبان منذ القرن السابع الميلادي. وتم تطويرها إلى دير في القرن الـ16، فأضيفت لها غابة سنديان ومبنى وجرى تقديمه إلى رهبان كرمليين قاموا ببناء مكان عبادتهم على مراحل كان آخرها عام 1862 كما تخبرنا لوحة على مدخل رواق الدير.
 
وفي العام 1908 انصرف جزء من الرهبان لبناء دير القديس يوسف وسط بلدة بشري بينما ظل قسم قليل يعيش فيه.
 
 متحف جبران منحوتا في جبال بشري
(الجزيرة نت)
حكاية التأسيس
تفيد معلومات المتحف بأنه في العام 1926 صمم جبران أثناء إقامته في مدينة نيويورك الأميركية على شراء الدير وتوابعه، ليحوله من مكان ديني للرهبان إلى "صومعة" له، وكان يتوق أن يدفن فيه، لكن حلمه باء بالفشل ولم يستطع ابتياع الدير أثناء حياته. وحين وصل جثمان جبران إلى بلدته في 22 أغسطس/ آب 1931 اشترت أخته مريانا الدير وملحقاته وحققت جزءا من وصيته بأن يدفن فيه.
 
أما تحويل الدير إلى متحف فلم يتحقق إلا عام 1975، حسب وثائق المتحف، حيث اكتشف الأوصياء على تراث الأديب الراحل "لجنة جبران الوطنية" رغبة جبران تلك التي عبر عنها في واحدة من أوراقه.
 
ويومها تخلت اللجنة عن مخططات كانت وضعتها لبناء متحف جبران في مكان آخر وعمدت إلى تحويل الدير إلى متحف، ما اقتضى توسيعه من الجهة الشرقية ووصل طابقي الدير. وبعد إكمال جميع أعمال الترميم والتوسعة افتتح المتحف رسميا عام 1995.
 
مكونات المتحف
أول ما يطالع الزائر تمثال نصفي لجبران بهيئته الحزينة والمتأمله بعلو نحو مترين تقريبا، ثم تبدأ غرف المتحف بالانفتاح واحدة إثر الأخرى حيث يخبرك القيم بمنع التصوير، وتأخذك الموجودات إلى عالم الأديب الراحل بدءا من مخطوطاته بخط يده والحبر الأزرق قبل أن تصبح كتبا ذائعة الصيت، مرورا بلوحاته التي رسمها وتعكس جوا روحانيا شغل الأديب طيلة حياته.
 
ويتطلب الوصول إلى قبر جبران (1883-1931) هبوط درج ضيق بسبع درجات محفورة في صخر الجبل الذي ضم الدير التاريخي، فتطالعك بمجرد الوصول سكينة وبرودة لجو أثيري أختلط فيه الموت والخلود.
 
لوحات من أعمال جبران تؤثث متحف بشري (الجزيرة نت)
في المحبس تجد غرفة نوم جبران بكل موجوداتها أثناء حياته، سرير ومرسم وكراسي ومتعلقات شخصية تقول لك إن صاحب المكان كان هنا قبل قليل، لحظة لا تخلو من قياس الزمن وتأمل وقعه فينا. ثم تترك لعينيك تأمل التفاصيل، ألوان بنية غامقة لسرير قصير يناسب قصر صاحبه ومخدته وغطاء نومه.
 
وقرب السرير طاولة مستديرة صغيرة يبدو أنه كان يستعملها للكتابة، وتلحظ انسجام الألوان في كل التفاصيل، ثم مرآته التي طالما ناظر نفسه فيها، لتقوده رحلة المعرفة من بلدته الجبلية بشرّي إلى نيويورك حيث عاش ومات باحثا عن سر الروح والخلود.
 
ثم مفاجأتك الأخيرة، على يسارك يرقد جبران بتابوته داخل قبر محفور في الصخر له فتحة دائرية نصف مغلقة بجذع شجرة أرز تمكّن الناظر من رؤية صاحب المكان، ولكن يتطلبك أن تتسلق عتبة كي ترى عن قرب المكان الأخير الذي يرقد فيه واحد من أهم الأدباء العرب المعاصرين.
 
جبران لن يدعك تذهب دون أن تمس روحه قلبك، كما لمستك سابقا كتبه وأفكاره ولوحاته، فعلى يسار القبر تماما جملة محفورة بخط  يده أوصى أن تنقش على قبره، فيقول لك مستقبلا ومودعا في الآن نفسه "أنا حي مثلك، أنا واقف الآن إلى جانبك، فأغمض عينيك والتفت.. تراني أمامك".

المصدر : الجزيرة