تأريخ الحياة الاجتماعية الفلسطيينية بالصور لا يقل أهمية عن التأريخ السياسي
(الجزيرة نت)

وديع عواودة-أم الفحم

تحت رعاية بلدية أم الفحم داخل أراضي 48 افتتح اليوم معرض "ذاكرة المكان" لتوثيق تاريخ منطقة وادي عارة بين قضاءي حيفا وجنين بالصورة والرواية الشفوية.

ويشمل المعرض مئات من الصور التي توثق مشاهد الحياة في الأرياف الفلسطينية، وتشمل المنازل ومواسم الحصاد والأفراح وأيام الثورة الكبرى ودور المرأة والرياضة وغيرها.
 
ويأتي المشروع الذي تضمن في مرحلته الأولى عرض مئات الصور الفوتغرافية منذ اختراع آلة التصوير لبناء أرشيف تاريخي لمنطقة وادي عارة ونواة لعمل قطري واسع يسهم في بلورة رواية تاريخية فلسطينية متكاملة.

لقطة من فلسطين في بدايات القرن الماضي تصور فافلة من الجمال (الجزيرة نت)
الأصوات المغيبة
يقول المستشار الأكاديمي للمشروع د. مصطفى كبها إن المؤرخين اهتموا بالأبعاد السياسية للصراع أكثر من اهتمامهم بالأبعاد الحضارية والثقافية والاجتماعية للتاريخ المحلي، لافتا إلى أهمية استحضار الأصوات والأبعاد المغيبة.
 
وتشمل عملية التوثيق الممتدة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى اليوم، جمع المستندات الورقية والروايات الشفوية ومئات الصور منذ بداية عهد التصوير من منطقة وادي عارة التي تتوسط أقضية حيفا وجنين وطولكرم.

وتم تبويب وتدوين المواد قبل تخزينها حسب برنامج حاسوب صمم خصيصا لهذه المهمة، بعدما جرى تدريب كوادر محلية لإنجاز الجزء الأول من المشروع الصادر على شكل كتاب للتاريخ المصور للمنطقة.

الفلاحة الفلسطينية كما بدت
في معرض ذاكرة المكان (الجزيرة نت)
سحر الصورة

وسيوثق الجزء الثاني الروايات الشفوية، أما الجزء الثالث فسيجسد عملية تشبيك بين الرواية الشفوية والرواية الأرشيفية.

ويلفت كبها إلى شبه الإجماع لدى باحثي فلسفة التاريخ حول أهمية الصورة ومدى سحرها بكل ما يتعلق باستحضار واسترجاع السياق التاريخي للحدث وإعطائه عمقا حيا وزخما من الدلالات التي تعجز الكلمات المكتوبة بلوغهما.

ويشير إلى أن قيمة الصورة تصبح ضرورة قصوى عندما يعز على المؤرخ الحصول على وثائق مكتوبة أو تندر الشهادات الشفوية التي بوسعها هي الأخرى تعويض النقص في الوثائق والمستندات كما هو الشأن في الحالة الفلسطينية.

ولكن الباحث يدعو لعدم إغفال الإشكالية الكامنة بالصور التي تركزت بالمناظر العامة لتغذي الميول الرومنسية الدينية للمصورين الأوروبيين وتؤكد عذرية الطبيعة بما يذكر بالأجواء الإنجيلية التوراتية.

ويلفت المؤرخ كبها إلى أن عهد التصوير الفوتغرافي على المستوى الفلسطيني العام بدأ فور اختراع آلة التصوير على يد لويس دوغير عام 1839. ويفسر سرعة وصول التصوير إلى فلسطين بالاهتمام الرومنسي الديني المسيحي المتزايد وقتذاك وبالاهتمام الاستعماري.

الصورة تنقل تاريخا فلسطينيا حيا
تقصر الكلمات عن وصفه (الجزيرة نت)
نعمة ونقمة

ويستذكر كبها ما لفت إليه المؤرخ عصام نصار المختص بالصورة في فلسطين بأن للتصوير وجهين: أولهما يحمل نعمة كونه يوثق البلاد في وقت مبكر جدا، والثاني نقمة كون التصوير ركز على البلد كأرض مقدسة وتجاهل وجود البشر عليها.  ويضيف "يرى نصار أن هذا التجاهل ينبع من حقيقة كون سكان فلسطين لم يشكلوا جزءا من الوعي التاريخي الأوروبي وبالتالي لم يحظوا باهتمام".

كما أن الكثير من الصور مصدرها في الأرشيفات العسكرية والرسمية للدول الاستعمارية، مشيرا إلى أنها تهدف إلى تصوير نشاط قواتها ومناظر جبروتها وهوان قوات أعدائها.

ويوضح كبها أن المصورين المحللين -خاصة من الأرمن- التقطوا عددا كبيرا من الصور الشخصية والعائلية في البلاد، لافتا إلى معضلة أخرى تواجه المؤرخ تتمثل بمدى الصفة التمثيلية للعينات التي تصله سيما وأنها تخص بالدرجة الأولى طبقة نخبوية في المدن بالأساس خاصة في الفترة المبكرة.

ومقابل وجود طقوس مرافقة حددها المصورون وربما تصنع واقعا مصطنعا، يقول الباحث المشرف إنه باستطاعة المؤرخين أن يروا بالصور الميدانية بعض الرموز الدالة على الهوية التي اهتم أصحابها على إبرازها فضلا عن الموجودات المرافقة.

من محاذير الصور الغربية الإيحاء بأن
أرض فلسطين بلا شعب (الجزيرة نت)
صيانة الهوية

وشدد مدير قاعة العرض الفنان سعيد أبو شقرة على أهمية "ذاكرة المكان" كخطوة أولى نحو تحقيق حلمه ببناء متحف فلسطيني في مدينته أم الفحم.
وأوضح أبو شقرة أن المشروع يرمي إلى تخليد تاريخ منطقة وادي عارة مشيرا إلى أهمية توثيق الرواية الشفوية قبل فوات الوقت.

وشدد أبو شقرة في تصريح للجزيرة نت على أن المشروع حيوي جدا لإثراء الثقافة العربية وبلورة الهوية الوطنية للأجيال الناشئة، لافتا إلى أن تبرعات الأهالي غطت أغلبية نفقاته. وأضاف "بهذا العرض تقدمنا خطوة كبيرة نحو تحقيق حلم بناء أول متحف فلسطيني عصري".

المصدر : الجزيرة