الغناء الشعبي في جبال الألب تتوارث الأجيال حمايته (الجزيرة نت)

تامر أبو العينين-لوتسرن

تعرف الثقافات بمختلفها ألوانا من الموسيقى والغناء الشعبي ترتبط بشكل وثيق بمجتمعاتها وتاريخها، فكما لدى العرب الموال والعتابا والشعر النبطي، يطلق سكان جبال الألب اسم "يودل" على غنائهم الشعبي، ويعتبره السويسريون صوت الألب المتميز إلى العالم.

وتحتفل سويسرا مرة كل ثلاث سنوات بهذا النوع من الفنون في مهرجان قومي شارك فيه هذا العام 12 ألف منشد لليودل والفنون المصاحبة له، كأبواق الألب أو حاملي البيارق والأعلام. كما حظي مهرجان هذا العام باهتمام ربع مليون زائر خلال أيامه الثلاثة، كان آخرها أمس الأحد.

دانيال دايخر (الجزيرة نت)
ورغم مخاوف البعض من تراجع الاهتمام بالغناء الشعبي، فإن هذا العدد من المشاركين والزائرين يؤكد حسب المعنيين أن مكانة هذا الفن لم تتراجع أمام تيارات موسيقية أخرى.

ويقول في هذا الصدد المسؤول الإعلامي للمهرجان دانيال دايخر للجزيرة نت "إن حرص مجموعات من السويسريين المهاجرين إلى أستراليا والولايات المتحدة على المشاركة بالغناء في المهرجان، دليل على أن هذا الفن يستطيع مقاومة العولمة".

ويؤكد دايخر أن الاهتمام بالفنون الشعبية مسؤولية شخصية وجماعية في آن واحد، "فهؤلاء المهاجرون حملوا حبهم له ونقلوه إلى ذويهم في الخارج فجعلوا منه رباطا مع الوطن الأم. كما أن توارث بعض العائلات لممارسته عبر الهواية دليل آخر على عمق إحساسهم بأهمية هذا التراث".

تراث يتواصل
ولهذا يعرب دايخر عن عدم خشيته على "يودل" من الاندثار "لأنه تراث ثقافي وشعبي تتوارث الأجيال حمايته".

ويقول بدوره أحد مدوني موسيقى "يودل" فالتر ليختي إن أداءه "يرتبط بشكل وثيق بالعائلات السويسرية المقيمة في المناطق الجبلية والريفية، إذ شبوا على سماعه في البرامج الإذاعية وعايشوه في الأنشطة الثقافية، وعادة يكون أحد أفراد العائلة عضوا في فريق إنشاد يودل فتتوارث ما تركه من مخطوطات وأوسمة".

أحد منشدي يودل وعدد الشارات على القبعة يدل على عدد المسابقات التي شارك فيها (الجزيرة نت)

ويعيد ليختي ما سماه صمود "يودل" أمام العولمة الثقافية إلى دوافع التمسك بالهوية القومية، لأنه "كلما شعر المرء بأنه مهدد في ثقافته زاد التصاقا بما لديه من موروث، ويحدث هذا بشكل لا إرادي وفقا لغريزة طبيعية".

وبالنسبة لنشأة هذا الفن فإنها تعود -بحسب المنشد كورت فوست- إلى الرعاة الأوائل في جبال الألب الذين كانوا يتبادلون صيحات "يو يو يو" للتواصل وكسر الوحدة أثناء مرورهم مع قطعان الماشية عبر السفوح والوديان بحثا عن الكلأ والماء، فيضفي صوت الصدى المرتد من الجبال إحساسا بالقوة.

ومع مرور الوقت تم تنغيم تلك الصيحات بإدخال تنويعات على أسلوب الأداء بمشاركة ثلاثة أصوات أو أكثر من طبقات مختلفة، ليصبح الأداء أشبه بمجموعة موسيقية متكاملة، العنصر البشري هو اللاعب الوحيد فيها.

أما ارتباط هذا الفن مع اسم يودل فيقول فوس في هذا الشأن إنه جاء مع نهاية القرن الثامن عشر وتحديدا من منطقة تيرول الواقعة في جبال الألب الفاصلة بين إيطاليا والنمسا.

يذكر أن أداء يودل ينقسم الآن إلى نوعين: إما تنويعات صيحات النداء بطبقات موسيقية مختلفة وهو "يودل الجبال"، أو ضمن أغنية من ثلاثة مقاطع شعرية تفصلها نغمات "يودل" وهو المنتشر في السهول.

وتبقى الإشارة إلى أهم مميزات المهرجانات الشعبية لهذا الفن من وجهة نظر الأجهزة الأمنية، والتي تتلخص في أنها تخلو من أي أعمال شغب مثلما يحدث في حفلات الروك، كما لا يجد فيها المتطرفون من اليمين أو اليسار موطئ قدم.

المصدر : الجزيرة