خان الخياطين بعد الترميم (الجزيرة نت)
 
نقولا طعمة-طرابلس

ترميم أي أثر تاريخي أمر له أهميته، لكن شريطة أن يأتي هذا الترميم وفق الأسس العلمية ومنسجما مع تاريخ وحضارة الأثر. ويبدو أن خان الخياطين في طرابلس بلبنان والذي احتفل بالانتهاء من ترميمه مؤخرا، سيظل يثير جدلا انطلاقا من هذه الزاوية.

عدم طلاء الأحجار بالكلس أثار جدلا (الجزيرة نت)
أقدم خانات طرابلس
خان الخياطين هو أقدم خانات مدينة طرابلس، ومنذ إنشائه كان متخصصاً بحياكة الحرير ونسجه. وقد اشتهرت طرابلس زمن الصليبيين وبعده بصناعة الحرير والنسيج التي كانت تصنع وتحاك فيه، وكانت تنال إعجاب أمراء أوروبا الذين أرسلوا البعثات لشراء هذه المنسوجات.

ويعتقد بعض المؤرخين الغربيين بأن طرابلس عندما سقطت في أيدي الصليبيين، كان فيها أكثر من أربعة آلاف عامل يعملون فقط على النول في حياكة النسيج الذي يستخرجونه من دودة القز.

ويشير المؤرخ عمر تدمري في كتابه "تاريخ طرابلس الحضاري والسياسي" إلى أن الخان يعرف بخان الخياطين أو الحريريين، ويحتمل أنه كان قيساريّة (نزل) للإفرنج، وليس هناك ما يجزم بتاريخ بنائه.

يقع الخان في قلب طرابلس القديمة، ويتكوّن أعلاه من سلسلة متناسقة من القناطر التي تجمع جهتيه اليمنى واليسرى، يفصل بينهما ممرّ عريض، وهو من طبقتين: السفلى تضم مخازن حرف القرون الماضية وإطارها الاجتماعي، وفي الطبقة العليا سلسلة من الغرف التي تشكل حاليا فندقا صغيرا، لكنها كانت منامة حرفيي الخان قديما.

وقد حيكت في الخان الثياب التقليدية كالسراويل والطرابيش العثمانية في القرن الماضي. وبعد التحولات في أعماله، يعمل حرفيوه في تطريز وخياطة الثياب التقليدية، وبيع بضائع مستوردة من أماكن مختلفة.

نوع الأخشاب المستخدمة في الأبواب
لا يرضى عنه الكثيرون (الجزيرة نت)
ترميم واعتراض
وقد رمم الخان أول مرة عام 1992 بتمويل ألماني قيمته 125 ألف دولار، غير أن التنفيذ لم يراع الشروط العلمية للترميم، فكررت العملية بتمويل من وكالة التعاون الدولي الإسباني عبر اتفاق مع بلدية طرابلس بمبلغ 458 ألف دولار.
 
وتضمنت ورشة التأهيل طلاء البناء بمواد كلسية تقليدية، ورصف الأرضيات بالحجر الطبيعي، وتركيب مصدات من الحديد المشغول تعلو أبواب المخازن، ومعالجة الأسطح بواسطة مواد مانعة لتسرب الماء، وتأهيل البنى التحتية من كهرباء وهاتف ومجاري مياه، وكافة الأعمال الخشبية.

ويحتج المتخصصون في شؤون الآثار على التنفيذ حيث اعتبر رئيس لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس الدكتور خالد تدمري هذا الترميم جيدا رغم بعض الأخطاء الفنية، مع إقراره بأنه أصبح أفضل بكثير مما كان عليه بعد الترميم الأول.

ويشرح بعض الأخطاء في حديثه مع الجزيرة نت بقوله إن الطلاء يجب أن يكون "من الكلس الأبيض، لكن جدرانه غطّيت بطبقة مجهولة، ثم جرى طلاؤها بالدهان الأبيض، وما لبثت أن تقّشرت فأعادوا طلاءها، والأبواب ليست من الخشب المطلوب –القطراني- ولذلك يحتج التجار".
 
ويضيف تدمري "كان الأجداد يطلون الحجارة بالكلس لحمايتها، خصوصا أن الحجر الرملي سريع التآكل. وكانت المدينة القديمة بيضاء ناصعة تعطي ضوءا أوفر، وتعكس أشعة الشمس بطريقة برّاقة، وتحمي الحجر من الرياح والأملاح والحشائش، ولا يجوز كشف الحجارة، أو طلاؤها بمواد شفافة حديثة لم تثبت فعاليتها".

كما أن تجار الخان يحتجون على بعض التنفيذ في الأبواب وغيرها، وعلى تعطّل أعمالهم أثناء الترميم، ويطالبون بالتعويض عن ذلك.

المصدر : الجزيرة