صبحي حديدي
 
خليل السكاكيني
في صفحة يوم 23 فبراير/شباط 1914 من كتاب مذكّراته الفريد «كذا أنا يا دنيا»، كتب الأديب والمناضل والمربّي الفلسطيني خليل السكاكيني يقول "غزو الشعب اليهودي لفلسطين أشبه بغزوهم لقلب الأمة العربية، لأن فلسطين هي صلة الوصل التي توحّد جزيرة العرب مع مصر وأفريقيا".
 
ويضيف "وإذا نجح اليهود في غزو فلسطين، فإنهم سيحولون دون اتصال الأمة العربية، بل إنهم سوف يشطرونها إلي جزأين منفصلين. وهذا سوف يضعف شأن العربية [يقصد: العروبة]، وسيحول دون تضامنها ووحدتها كأمّة".

كان خليل السكاكيني (1878-1953) يمثّل شريحة خاصة في صفوف الإنتلجنسيا العربية، وشريحة أكثر خصوصية داخل الإنتلجنسيا الفلسطينية بالذات. وأن يتوفّر لديه هذا الخطّ المبكّر في التفكير، أي وضع المسألة الفلسطينية في إطار قومي عربي عريض، أمر بالغ الأهمية في تحديد طبيعة الموقع الخاص الذي احتله السكاكيني في فلسطين ما قبل الحرب العالمية الأولى إجمالاً، وما قبل تأسيس إسرائيل عام 1948 بصفة خاصة.

ذلك لأنّ خطّ التفكير العامّ الذي هيمن على الإنتلجنسيا الفلسطينية، وهي بأكثر من معنى مثّلت النُخب السياسية والحزبية أيضاً، كان طرح القضية الفلسطينية ضمن إطار سوري، وعبر شعار التمسك بوحدة سوريا الطبيعية ورفض كلّ تجزئة لها، و«عدم فصل القسم الجنوبي من سوريا المعروف بفلسطين والمنطقة الغربية الساحلية التي من جملتها لبنان».
 
ذلك ما جاء حرفياً في القرار الثامن من قرارات المؤتمر السوري (1920)، وقبله في مؤتمر مجلس المبعوثين (1911) حين طالب مبعوث القدس روحي الخطيب ببحث القضية الفلسطينية «كمشكلة من مشاكل بلاد الشام».
 
وناقش المجلس ثلاث قضايا طالب المبعوثون العرب بإدراجها على جدول الأعمال: قضية سوريا الجنوبية ومشكلة الصهيونية في فلسطين، وثورة اليمن ضدّ العثمانيين، وضياع طرابلس الغرب. وكان هذا هو موقف المبعوثين السوريين، من أمثال شكري العسلي وخالد البرازي وشفيق المؤيد.

سوريا الطبيعية
البطريركية اليونانية حرمت السكاكيني من الكنيسة بسبب نضالاته القومية (الفرنسية-أرشيف)
خصوصية ثانية في خطّ تفكير خليل السكاكيني، ولعلها تحمل المغزى الأهم، انبثقت من كونه مسيحياً من طائفة الروم الأرثوذكس.
 
وكان من المدهش بالتالي أن يضع فلسطين في سياق عربي عريض هو سياق إسلامي في نهاية المطاف، أو هو على الأقل أكثر تذكيراً بالإسلام من معطيات سوريا الطبيعية التي ضمّت العديد من الطوائف المسيحية الشرقية والغربية.
 
وكانت جميع الظروف في حياة السكاكيني تشير إلى مسار روتيني ضمن صفوف الروم الأرثوذكس والإنتلجنسيا المسيحية التقليدية المتأثرة بهذا القدر أو ذاك من القِيَم الغربية: لقد ولد في مدينة القدس، ودرس في «الكلية الإنجليزية» فيها، وسافر إلى نيويورك للدراسة.

ولكن آراء السكاكيني لم تتبلور سريعاً بحيث تصبّ في التيار العام للإنتلجنسيا الفلسطينية المسلمة فحسب، بل لقد عبّر عن مواقف احتجاج راديكالية ضدّ رجال البطريركية الأرثوذكسية اليونان، فطالب بمقاطعتهم لأنهم لا يلتزمون صفّ العرب الفلسطينيين (وخصوصاً الأرثوذكس منهم)، ثم أسّس «جمعية الإخاء الأرثوذكسي» التي مارست نشاطات تحريضية شعبية مباشرة، قام على إثرها البطريرك اليوناني ذميانوس بحرمان السكاكيني من الكنيسة.
 
ورغم أنّ الموقف العربي من موجات الهجرة اليهودية وفكرة إنشاء وطن قومي لليهود لم تكن تختلف جوهرياً بين المسلمين والمسيحيين، فإن خصوصية آراء السكاكيني كانت هذا العمق العربي الذي شدّد عليه بالمعاني التاريخية والحضارية والثقافية.
 
الحق العربي
وفي واحدة من صفحات مذكراته يقول "إذا سُئل العرب بأي حقّ يمتلكون هذه البلاد، فإنهم سيقولون بأنها جزء طبيعي من الأرض العربية. صحيح أنها لم تكن مهد الحضارات العربية، ولكنها لا تفتقر إلى حصة في تكوين تلك الحضارات. هذه الأرباض المقدسة وتلك المدارس هي علامات بليغة على أن البلاد عربية وإسلامية".
 
ويتابع "لقد أقام العرب في هذه البلاد منذ سحيق الأزمان. وإذا كانت هذه هي المهد الروحي لليهودية ومسقط رأس تاريخهم، فإن للعرب عندئذ حقّاً لا يُنكر [في فلسطين]، وهو أنهم زرعوا فيها ثقافتهم ولغتهم".
 
كذلك دافع خليل السكاكيني عن هذه الآراء في مؤلفات ذات طابع تاريخي ثقافي: «الاحتذاء بحذاء الغير» (1896)، و«فلسطين بعد الحرب الكبرى» (1920)، و«مطالعات في اللغة والأدب» (1925)، إضافة إلى ترجمته، مع وصفي عنبتاوي وأحمد خليفة، لكتاب عن تاريخ فلسطين القديم.
 
وضمن السياق العامّ لمواقفه هذه، تحمس السكاكيني للملك فيصل الأول، فانضم مع عدد من أقرانه إلى الثورة العربية الكبرى عند إعلانها عام 1916، ثم قصد الأمير إلى العراق، ورحل إلى مصر لأداء مهامّ سياسية خاصة بالثورة فبقي فيها حتى عام 1919.
 
طرح مثقفو فلسطين قضية بلادهم أوائل
القرن بوصفها جزءا من قضية بلاد الشام
(الجزيرة نت-أرشيف)
الحركة الوطنية
كذلك انتسب السكاكيني إلى «جمعية الاتحاد والترقي» بالقدس، وتولّى أمانة سرّ اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني (الذي تشكل في عام 1920 كمنظمة دائمة تنعقد سنوياً، ثم أعيد تنظيمه ليصبح «الحزب العربي الفلسطيني»، فشكّل مع الأحزاب السياسية الأخرى في فلسطين ما عُرف باسم «اللجنة العربية العليا» والتي أصبحت مركز الحركة الوطنية لعرب فلسطين).

وثمة خصوصية ثالثة في شخصية خليل السكاكيني هي سجلّه الحافل في ميدان التعليم وتطوير المناهج التربوية باتجاه علماني وإنساني رائد. فمنذ عام 1898 مارس السكاكيني مهنة التدريس في القدس، وفيها أسّس «المدرسة الدستورية» عام 1909 مع علي جار الله وجميل الخالدي وأفتيم مشبك، فاشتهرت المدرسة بتركيزها على تنمية الوعي الوطني وتوطيد اللغة العربية، وتخريجها لعدد كبير من المعلمين الذين سيلعبون دور الجيل الرائد.
 
بعد خمس سنوات سيخوض السكاكيني حرباً حقيقية شاملة لإصلاح المناهج الدراسية وتقوية التوجهات العلمانية في تدريس التراث والتاريخ والأدب والعلوم، مما اضطر السلطات العثمانية إلى إبعاده عن القدس، ثم سجنه في دمشق حتى أطلق سراحه بكفالة مالية عام 1918.

وفور عودته إلى القدس أسّس خليل السكاكيني دار المعلمين، ولكنه سرعان ما قدّم استقالته بعد تعيين هربرت صموئيل مندوباً سامياً لبريطانيا في فلسطين. بيد أنه لم ينقطع عن رسالته التربوية، فسافر إلى القاهرة ليمارس التعليم، وليكتب مقالاته اللاهبة والساخرة في «المقتطف» و«الهلال» و«السياسة».
 
كذلك درّس في بيروت بتكليف من الجامعة الأميركية، وأسس في القدس «كلية النهضة» بالاشتراك مع إبراهيم شحادة الخوري ولبيب غلمية وشكري حرامي، وانتخب عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق، وفي مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
 
التطوير التربوي
"
ما أنجزه السكاكيني في ميدان التطوير العلماني للمناهج الدراسية كان عميق التأثير، إلى درجة أن العديد من وزارات التربية العربية تحتفظ بمؤلفاته التدريسية حتى هذه الأيام

"
وما أنجزه السكاكيني في ميدان التطوير العلماني للمناهج الدراسية كان عميق التأثير، إلى درجة أن العديد من وزارات التربية العربية تحتفظ بمؤلفاته التدريسية حتى هذه الأيام، خصوصاً كتابه الضخم «الجديد في القراءة العربية» الذي يقع في أربعة أجزاء.

بذلك كان خليل السكاكيني مثقفاً ومناضلاً ومعلماً على صعيد قاعدي إذا صحّ القول، فمثّل ضمن الكنيسة الأرثوذكسية تياراً عروبياً إسلامياً لم يكن مألوفاً آنذاك، ومثّل تياراً قيادياً طليعياً ضمن صفوف الفئات الشعبية المسيحية في زمن كانت فيه الأُسَر التقليدية (مثل آل القطان وآل عطا الله) هي التي تستأثر بالنفوذ والعمل السياسي، ومثّل تياراً ثقافياً يركّز على أهمية التاريخ واللغة العربية في توحيد الصفوف وتنمية الوعي بالهوية الوطنية.
 
كما مثّل أهمّ وأخطر التيارات الداعية إلى إعادة النظر الجذرية في المناهج التربوية وتسليحها برؤية علمانية وعلمية معاصرة. وليس بغير دلالة خاصة أنه ولد في القدس وتوفي في القاهرة، وأنه تعرّض لاضطهاد البطريركية الأرثوذكسية اليونانية واضطهاد السلطات العثمانية.

ولعلّ خليل السكاكيني هو النموذج الأبرز على شريحة في الإنتلجنسيا العربية الفلسطينية بدأت بصيغة جنينية من القومية العروبية الراديكالية وانتهت إلى صيغة متقدمة من القومية الشعبية الليبرالية. وفي الحالتين كانت القضية الفلسطينية هي منطلق التحوّل ومحتواه.
ــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة