حائط للكتابات الحرة ورموز أثرت في الثقافة العربية (الجزيرة نت)

حسين جلعاد-بيروت

في ليل بيروت كما في نهارها تمشي الألفة إلى جانب الخصومة، والسكينة إلى جانب الحذر، كما يتعايش الهدوء والصخب.

التعدد سمة البلاد، والنقائض سمة التركيبة السياسية، فبينما كانت تناقضات الإقليم والطوائف تتجمع في لبنان فلا يقف دويّ المدافع وتراشق الأسلحة، كان أهله يفاخرون بأنه "درة الشرق" وصاحب التفرد في إنتاج حركة ثقافية وفنية عمت المنطقة.

مقهى "جدل بيزنطي" في منطقة كراكاس مثال على وجوه بيروت المتعددة. حيث الشعر ينزل إلى أرض الناس بلا منابر ولا نخبوية. الشاعر يقرأ دون حواجز. مكان صغير وضيق تضم جدرانه كتبا وصورا لأيقونات الثقافة في لبنان والعالم العربي، وحائط يحق لكل من يمر هناك أن يكتب عليه ما يريد.

"اقرع بقوة الحياة صماء" عبارة يجدها الداخل قبيل أن يدلف الباب، ثم تظهر الشعارات التي تحمل رؤية القائمين على المشروع.

فمن حكمة الصوفي الشهير ابن عربي "إنا نتبع أثرا ليس له أثر"، وصولا إلى شعار ثورة الطلاب بباريس عام 1968 "كونوا واقعيين.. اطلبوا المستحيل"، وبين هذين الزمنين سخرية فكرية تهزأ من رجال السياسة المعاصرين باستعارة مقولة الحجاج "من تكلم قتلناه، ومن سكت مات بدائه غما".

مقهى جدل بيزنطي مساحة للشعر العربي في بيروت (الجزيرة نت)
شعراء شباب
فكرة المقهى كانت قد انطلقت من شارع الحمراء قبل ما يزيد عن سنتين ثم ترسخت لاحقا في كراكاس، بدأها شعراء شباب وأنجحها بحضورهم أشهر المثقفين العرب واللبنانيين، لكن الحرب والخصومات تؤثر في الثقافة كما في حياة الناس.

ويرجع أحد منسقي نشاطات المقهى الشاعر والصحفي اللبناني ناظم السيد توقف النشاطات مؤقتا في الفترة الأخيرة إلى عاملين الأول أن المكان استضاف منذ انطلاقه جميع الشعراء المعروفين في لبنان، أما السبب الرئيسي فهو العامل الأمني.

وأوضح للجزيرة نت أن "الخضات الأمنية" في البلاد أوصلت اللبنانيين طوال الفترة الماضية إلى حالة من عدم الاهتمام بالوضع الثقافي ولا حتى السياسي، وقال إنهم "مشغولون بالوضع الأمني بشكل مباشر، وهم يعيشون تحت ثقل هذا الوضع".

ومن جهتها تصف الشاعرة والصحفية اللبنانية عناية جابر المشروع بأنه جزء من البنيان الثقافي للبلاد. وتقول إن الحالة ليست عنصرا غريبا في الثقافة اللبنانية، لكن الجدة تكمن في أن الذين أطلقوا هذا المشروع شعراء شباب.

وتضيف للجزيرة نت "حتى الأناس المتقوقعون على أنفسهم أصابهم الفضول حيال النشاطات التي تقام هناك، لقد نجح المكان في استقطاب شعراء وفضوليين فجاء بهم إلى الشعر".

ناظم السيد كشف عن ترتيبات جديدة لأنشطة المقهى (الجزيرة نت) 
وهم عربي
وفي المقابل ترفض الشاعرة والصحفية الأردنية المقيمة في بيروت نوال العلي صحة ما هو شائع بخصوص مركزية العاصمة اللبنانية، وتقول "ثمة وهم عربي متعلق بكل ما تنتجه بيروت كعاصمة للثقافة العربية"، وتقول إن "جدل بيزنطي" أخذ سمعة في البلدان المجاورة أكثر مما يستحق حسب تعبيرها.

وتتحدث العلي عن أمسيتين حضرتهما في المقهى لتخلص في حديث للجزيرة نت إلى أن المكان لم ينضج ليصبح ظاهرة ثقافية، "ولم يترك ليتم التعامل معه بحجمه الطبيعي كحانة يجتمع فيها الأصدقاء من المثقفين يصغون إلى الشعر أو الموسيقى، بمعنى أنه حمّل أكثر مما يحتمل".

أما الشاعرة جابر فتقول إن المشروع "حاول تحدي حوادث الاشتباكات وقتال الشوارع واستطاع أن يبني عالما داخليا غنيا بصخب الشعر والألفة ضد الصخب الخارجي المليء بالتوتر الأمني. كما أنه حقق وجودا لم تستطع تحقيقه أماكن ثقافية راسخة فنجحت نشاطاته في استقطاب مثقفين وشعراء وفنانين وموسيقيين وقاصين، إضافة إلى جذب أي مبدع من الخارج يمر ببيروت".

من جهته أعرب السيد عن اعتزام القائمين على المشروع استئناف النشاطات، ولكن ضمن ترتيبات جديدة في صيغة الأمسيات والمشاركات وفقا "للمزاج العام للبنانيين"، حيث إن "الصفحات الثقافية في الصحف اللبنانية عاجزة عن خلق مناخ ثقافي، فكيف الحال مع حانة صغيرة". ويضيف "لقد أدخلنا الشعر إلى الواقع وإلى مكان حياتي، فنزعنا عن الشعر نخبويته وعبوسه وتجهمه".

المصدر : الجزيرة