إحدى لوحات الجالوس عن حي الياسمينة التي عرضت في عمان أمس (الجزيرة نت)

توفيق عابد-عمان

يعرض الفنان التشكيلي محمد الجالوس في عمان مجموعة من لوحاته التي تعبر عن حب جارف لمدينة نابلس ولأحد أحيائها المعروف بحارة الياسمينة. وهو الحي الذي يرى الجالوس أنه درة المدينة وحاضنة أسرارها.

وأفصح الجالوس للجزيرة نت عن سر انجذابه إلى الحي في حديث بعد افتتاح المعرض أول أمس في إحدى قاعات المركز الثقافي الملكي بعمان برعاية رئيس الحكومة الأردنية الأسبق طاهر المصري.

فذكر أنه لم يخطر بباله أن ما رسمه بالألوان المائية لمدينة نابلس وتحديدا لحارة الياسمينة سيكون وثيقة للتاريخ وإدانة لما ارتكبته قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد تحفة معمارية واجتماعية.

وقال إن ذلك برز عندما أوغلت الجرافات الإسرائيلية عام 2000 هدما لما بناه الأجداد في حضارة "شكيم الكنعانية" ولحارة الياسمينة تحديدا "درة نابلس وحاضنة أسرارها".

ولإيضاح دواعي هذا الارتباط بحي الياسمينة وظروفه عاد الجالوس بالذاكرة إلى العام 1998 تاريخ تلقيه دعوة من وزارة الثقافة الفلسطينية لزيارة نابلس عندما كان يقيم معرضا في مدينة السلط.

وقال إنه زار نابلس وهناك وجد قواسم مشتركة معمارية وجمالية واجتماعية مع مدينة السلط الأردنية, مشيرا إلى أنه يرسم مدنا أحبها وترتبط معه بذاكرة.

وما سرّع في إخراج هذه الوثيقة التشكيلية عن الحي هو -حسب الجالوس- ما تعرضت له نابلس والحارة تحديدا من تدمير على يد قوات الاحتلال في الانتفاضة الثانية لطمس الهوية والمكان.

رئيس وزراء الأردن الأسبق طاهر المصري يتجول في المعرض ( الجزيرة نت)
ويقول الفنان في هذا الصدد إن هذه الوثيقة غير متوفرة لدى الكثيرين عن الحارة والبيوت التي هدمت، "وأرى أننا حفظنا هوية المكان للأجيال القادمة، فالمعرض موقف سياسي من عقلية التدمير واستهداف الاحتلال الإسرائيلي للمكان الفلسطيني".

خصائص الياسمينة
ويمضى الجالوس قائلا "ما أثارني في حارة الياسمينة وجود مدخل كبير يخفي مداخل أخرى متشعبة ومختلفة وأبواب وشبابيك وحارات وأزقة تغمرك بإحساس جميل بأنك تزور بيتا واحدا بأبواب متعددة إضافة للبناء المعماري المميز بأقواسه ولون حجارته وأدراجه.

وفي حارة الياسمينة -حسب الجالوس- تصاب بالدهشة والارتباك لأن الياسمين يملأ الأزقة والشوارع وهناك تشتم رائحته الزكية وتعرج على التاريخ لوجود بيوت عمرها آلاف السنين.

ويضيف أنه مغرم بالمكان، وتجربته التشكيلية حدثية معاصرة فيها تجريد وتعبير توج نجاحها بالجائزة الأولى لبينالي طهران الثاني 2002 بمنافسة كبيرة مع فناني العالم الإسلامي.

ويضيف أن انفعاله تفجره الذاكرة وأن معظم ما رسمه على مدى ربع قرن مشحون بالذاكرة وجدران الحارة التي عاش فيها، "فأنا ابن مخيم الوحدات وجدرانه أثرت في عملي الفنيّ وصبغته، فعندما رسمت السلط كنت مندفعا بذاكرتي عندما كنت طفلا صغيرا أزورها برفقة والدي رحمه الله".

وقال الفنان الجالوس "أميل وأعشق الفن المعاصر ومنحاز للتجريد والعمل الذي يطلق العنان للخيال والذاكرة. وبنفس القوة منحاز للعمل الواقعي الموجود في معرضي".

لوحة بانورامية لحارة الياسمينة في معرض الجالوس (الجزيرة نت)
ودعا الجالوس الفنانين الفلسطينيين لتوثيق مدنهم وقراهم وحاراتهم وشوارعهم والإرث الذي تركه الأجداد.

رأي الناقد
ويرى الناقد والفنان التشكيلي محمد أبو زريق أن الجالوس ظاهرة جديرة بالبحث لتناوله المدن التراثية لتوطيد علاقته بها وإعادة اللياقة ليده وأدواته للتعامل مع المكان بواقعية ومهنية

وذكر أن الجهد الحضاري الذي يقوم به الجالوس يركز على توثيق المكان التراثي المعرض للهدم والتدمير وجمالياته المكتشفة بعين خبيرة ومعالجته بتقنية الألوان المائية التي أتقن استعمالها من خلال الشفافية والحس الرومانسي الذي يحتفي في المعمار والطبيعة.

ويقول أبو زريق إن المعرض حصيلة تجربة ومغامرة بصرية وبحثية تحدى الجالوس نفسه فيها وأعاد لها القدرة على رسم المكان بواقعية ورومانسية محاولا أن يعيد لروحه طمأنينتها الواقعية كلما أوغل في التجريب.

المصدر : الجزيرة