فاضل مشعل-بغداد

يتعرض المقام العراقي الذي كان يستحوذ على اهتمامات البغداديين في العقود الماضية للاندثار، حاله حال العديد من الفنون والرموز الفولكلورية القديمة مثل الكوفية الملفوفة على الرأس (الجرّاوية) والشناشيل الخشبية وغيرها.

ولم تنفع جهود فرقة أنغام الرافدين -التي تأسست عام 1996 وتتكون من خمسة قارئي مقام- في إعادة الروح إلى هذا الفن البغدادي الأصيل بسبب ابتعاد الجيل الجديد عنه لصعوبة تنقلاته النغمية وسلالمه الموسيقية، التي تعتمد بضع آلات هي السنطور والجوزة والرق والعود فقط.

وبرر رئيس الفرقة طه غريب هذا الفشل بعدم وجود رواد جدد للمقام، ويضيف بأنه فوجئ أثناء مهرجان للمقام نظمته منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) في مدينة باريس في فبراير/شباط الماضي بأن هناك ستة دارسين من جنسيات أوروبية مختلفة، حصلوا على شهادة الدكتوراة في فن المقام العراقي، وهناك آخرون نالوا شهادة الماجستير عن أطروحات بإحدى خواص هذا الفن العراقي البغدادي الرفيع.

ويشتكي قارئ المقام الشاب من قلة الاهتمام وانعدام الرعاية ويقول "نحن حلقة الوصل الأخيرة بين أجيال القراء وآخر المحترفين لفن المقام العراقي الذي يعبر بأنغامه المعروفة التي تشكل قانونا نغميا عربيا متوارثا شأنها شأن بحور الشعر العربي عن خصائص أهل العراق وتفردهم بهذا الفن الغنائي".

ناظم الغزالي من أنجح الأصوات العراقية التي تعاملت مع سلالم المقام (الجزيرة نت)
ولكن الحاج نجم عبد القادر أحد هواة قراءة المقام يختلف مع غريب في الرأي ويقول إن أنغام المقام تمثل معظم بيئات العراق رغم اختصاص أهل بغداد وتميزهم لوحدهم بجودة القراءة, فهناك مقام اللامي نسبة إلى عشيرة بني لام العربية الطائية الجنوبية المعروفة، وهناك مقام البيات نسبة إلى عشيرة البياتي الشمالية الكبيرة، وهناك مقام السيكاه والجهاركاه وهما تسميتان كرديتان، بينما تحوي كلمات أغاني المقام ألفاظا تركية وأخرى فارسية تأثرا بما يحيط بالعراق من بيئات وقوميات.

ولم يحدد الحاج عبد القادر تاريخا لنشأة المقام العراقي، مشيرا إلى أن المؤرخين لهذا الفن لا يتحدثون إلا عن فترة ثلاثمائة سنة مضت تقريبا.

وعن أبرز قراء المقام، يرى عبد القادر أن رشيد القندرجي وحسن خيوكه كانا من أبرز قراء المقام القدامى، بينما يعد محمد القبانجي الذي أطرب العراقيين طيلة عشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن الماضي من مجددي المقام.

أما ناظم الغزالي فيعتبر -حسب عبد القادر- من الأصوات النادرة في التعامل مع سلالم المقام العراقي خاصة مقام الركباني الحزين وبقية المقامات الخفيفة.

ويتفق طه غريب والحاج نجم عبد القادر على أن "المقام العراقي يتعرض للاندثار، لأن أحدا لم يلتفت إليه، ولأن أحدا لم يتحمس لإخراجه من بين موجة الغناء الريفي الذي يطبع الغناء العراقي، ويكاد يؤسس لمدرسة خاصة به نظرا لكثرة المغنين والمتذوقين.

وقد دفع ذلك بقراء المقام ومنهم حسين الأعظمي وفريدة للرحيل إلى خارج البلاد حيث يلقى هذا الفن رواجا كبيرا وسط الجاليات العراقية المغتربة.

المصدر : الجزيرة