الصديق: الاستشراق لا يقدم فقط صورة مشوهة بل يعرض بديلا مجانيا بالدعوة لتقليده (الجزيرة نت)

إلياس تملالي-الدوحة
 
يقول الباحث السوري وأستاذ اللغة العربية بجامعة حلب الدكتور حسين الصديق إن الشرقي يرى صورته في مرآة الغرب مشوهة، جاء ذلك في محاضرته "الأنا في مرآة الآخر" في ندوة الثقافة والاستشراق التي عقدت بالدوحة أمس.
 
واعتبر الصديق محاضرته دعوة إلى العودة إلى ذات غير مشوهة, "حتى لا نرى نفسنا دائما في مرآة غربية أنتجت تغريبا سياسيا وثقافيا يمارسه الغرب ضدنا بأيدينا".
 
ويضيف أن الاستشراق ساعد تاريخيا في رسم صورة الشرق, ويجب مع ذلك عدم إهماله, فهو "يبين آلية القوة الأطلسية في السيطرة علينا" كما يقول الكاتب الفلسطيني الأميركي الراحل إدوارد سعيد الذي يتعدى التعريف التقليدي  للاستشراق إلى تعريف أنثروبولوجي يجعله "مؤسسة مشتركة للتعامل مع الشرق وأسلوب غربي للسيطرة عليه".
 
وقال الصديق "لقد كانت للاستشراق مراحل ثلاث: التأسيس ثم الازدهار المرتبط بالتوسع الاستعماري, فاستشراق جديد" يراه الباحث السوري الأخطر على الإطلاق.
 
"
إذا كان الاستشراق بمرحلتيه الأولى والثانية قدم خدمات جليلة للثقافة العربية والإسلامية.. فإن هذه الخدمات تغيب كلية في استشراق جديد أميركي أساسا
"
الاستشراق الجديد
فإذا كان الاستشراق في مرحلتيه الأولى والثانية قدم خدمات جليلة للثقافة العربية والإسلامية "بغض النظر عن كونه وضع لخدمة الاستعمار", فإن هذه الخدمات تغيب كلية في استشراق جديد -أميركي أساسا- يستفيد من نتائج العلوم الإنسانية.
 
يهتم الاستشراق الجديد بما يسميه الدكتور الصديق ثقافة غير عالمة (تمييزا لها عن ثقافة عالمة مكتوبة), وهي ثقافة حية منتشرة بين الناس, بدأت محاولات اختراقها القرن الماضي, لكن لم تشتد إلا بعد انتشار التلفزيون.
 
هذا الاستشراق لا يهتم بالثقافة "التي هي للحاضر" بل يركز على التعليم الذي هو للمستقبل.
 
علاقتنا بأنفسنا
ويرى الكاتب السوري أن هذا الاستشراق يساهم بهذا في إعادة تشكيل ثقافتنا ولا يصوغ علاقة الشرق والغرب فقط بل علاقة الشرقي بنفسه وبحضارته أي أنه "يشكل صورتنا عن أنفسنا".
 
ويقول إن الاستشراق يقدم صورة قبيحة عن الشرق إلى الغرب, إذا احتل فيه العربي مكانا لجذب الانتباه فإنه كما في رأي إدوارد سعيد "يحتله كقيمة سلبية".
 
هذا الاستشراق لا يكتفي بتقديم صورة مشوهة بل يعرض بديلا مجانيا بالدعوة إلى تقليده, ويتجلى ذلك في المفاهيم التي يقدمها, واهتمامه بمسألتي الثقافة والتعليم, وهو اهتمام ليس جديدا, كما تدل عليه رسالة لنابليون (موجودة في أرشيف الخارجية الفرنسية) يوصي فيها جنرالا اشتكى هزيمة قواته في مصر بأن يرسل –عملا بنصيحة مستشرق- 500 من المماليك إلى فرنسا يشاهدون عظمة الأمة الفرنسية" وسيكونون عند عودتهم "حزبا ينضم إليه غيرهم".
 
"
الاستشراق حين أراد السيطرة صنع برعاية السياسيين للمجتمعات مفهوماتها عبر مثقف بات ممزقا بين موروث يسري في لاوعيه ومعيش مستورد
"
الموروث والمستورد
ويضيف الدكتور الصديق أن الاستشراق حين أراد السيطرة, صنع برعاية السياسيين للمجتمعات مفهوماتها, عبر مثقف بات ممزقا بين موروث يسري في لاوعيه ومعيش مستورد.
 
ليست دعوة إلى رفض الاستفادة من الثقافات الأخرى –يقول الدكتور الصديق- لكن إلى أن تكون الثقافة الأم هي الأصل, ويُعرض علينا كل ما عند الآخرين دون أن يختص الغرب, فهناك حضارات صينية ويابانية وهندية لها مفاهيمها أيضا.
 
التعليم كلمة ترددت كثيرا في محاضرة الباحث السوري الذي يحذر من أن الاستشراق الجديد في اهتمامه بهذا المجال, وإن سار على خطى الاستشراق القديم الساعي لتربية الأجيال على ثقافته, فإنه عكسه يهدف إلى تجهيل الأجيال وجعلها من غير ثقافة على الإطلاق.



المصدر : الجزيرة