الطالبة سندي رحال أمام جداريتها في الجامعة (الجزيرة نت)

نقولا طعمة-طرابلس

تشهد صناعة الفسيفساء نموا، حيث يقبل كثيرون على اقتنائها لتزيين جدران المنازل في وقت يصعب فيه الحصول على لوحة من الأثري منها نظرا لارتفاع ثمنها، ولأن استخراجها ممنوع إلا على الجهات الرسميّة.

ويساهم معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية في إحياء الفن علما وصناعة، كما تنشط مشاغل ومحترفات في إنتاج لوحاته.

يذكر أن إنتاج الفسيفساء بدأه الرومان في القرن الأول قبل الميلاد، وأن هذا الإنتاج يتطلب دقة وتقنية عالية. فالفسيفساء  مكعبات صغيرة متلاصقة تشكّل لوحة بألوان حجارتها المختلفة، التي ينحتها النحاتون بأيديهم قطعة قطعة. وكلّما صغرت المكعبات، كانت أرقى وأجمل تعبيرا وأغلى ثمنا.

وكانت الفسيفساء وسيلة الفنانين للتعبير عن عصرهم. ففي المرحلة الوثنية عكست صور الحيوانات، والأساطير الوثنية، وفي نهوض المسيحية عبّرت عن قصص الدين، ووضعت منه الأيقونات، واقتبس العرب هذا الفنّ وطوّروه، وزيّنوا به المساجد، وأهمها الأمويّ بدمشق، وكربلاء بالعراق. كما زينوا به قصور الأندلس. ثم نقله الأوروبيون عنهم فاعتمدوه في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وزينوا به القصور والكنائس.

وللفسيفساء متاحف مهمة في العالم، ومن أهمها متحف معرّة النعمان في سوريا.

وبدأت الأعين تتفتّح على الفسيفساء مع ازدهار تجارة تهريب الآثار، فبيعت بأثمان باهظة أغرت المزوّرين الذين قلّدوا اللوحات وجنوا منها أرباحا طائلة.

اختصاص جامعي

ورشة جمعية العزم والسعادة في الجامعة اللبنانية (الجزيرة نت)
أدخلت الفسيفساء منذ أعوام إلى معهد الفنون في الجامعة اللبنانية، وأعطيت في مقرر للطلاب. ثم أدخلت إلى الدراسات العليا ضمن اختصاص الجداريات.

ويشرف الدكتور فضل زيادة على قسم الدراسات العليا في المعهد، ويتحدث عن "إدخال الفسيفساء منذ عشر سنوات مادة تدريس"، موضحا أنّ "المعهد يخرّج هذا العام أول دفعة من ماجستير الجداريات الذي يتضمن أيضا الفرسك، والخشب، والزجاج. ويتابع الطالب الفسيفساء لفصل كامل من دراسة الماجستير".

ويعرض 24 طالبا وطالبة من قسم الماجستير في معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية في الفرع الثالث، مشاريعهم التي يحضرونها للتحكيم.

وتبرز بين تلك المشاريع جدارية للطالبة سندي رحال رسمت فيها سمكة في البحر مع عشب أخضر، وأخرى للطالب سامر ياسين الفلسطيني من مخيّم نهر البارد، عبّر فيها عن واقع المخيّم، وجسّد البيوت وكأنّها معلقة بخيوط في الهواء.

وينتقل الفنّ ليزيّن الأمكنة العامة حيث لم تعد جداريات التلوين تفي بالمطلوب بسبب تلف التلاوين تحت ظروف الطبيعة القاسية. ولذلك اختارت جمعيّة العزم والسعادة الفسيفساء لتزيّن جدارا في الميناء بطرابلس بسبع لوحات ضخمة أشرف عليها الفنان وأستاذ الفسيفساء في معهد الفنون الدكتور مصطفى عبيد.

يقول عبيد إن اختيار الفسيفساء سببه أنّه يتحمل عوامل المناخ، لذلك يفضّل استخدامه للخارج.

جدارية المسحّراتي ومقهى في الميناء (الجزيرة نت)
ويوضح مسؤول الأنشطة في الجمعية أحمد الخطيب أنهم اختاروا "الفنان عبيد الملم بالفسيفساء، وقام بتنفيذ سبع لوحات شارك في صنعها أعضاء الجمعية، وطلاب من الجامعة اللبنانية. وقد استغرق عملهم جهدا كبيرا لثلاثة أشهر".

تراث المدينة
وقال عبيد "اعتمدنا في اللوحات على الحجر الطبيعي بحجم سنتمتر مكعب مقصوص في معمل متخصّص وبألوان مختلفة. تنفّذ اللوحة بعدة طرق إما بالغرز المباشر، أو الغرز العكسي، وإما نافرا أو غائرا. واستخدمنا حجارة أصغر في التفاصيل. وعكسنا تراث المدينة فيها مثل المسحرّاتي، وبائع القهوة، وطنبر العيد، وبائع الفول والكبيس".

وأضاف "الفسيفساء تراث كبير نسعى لإحيائه وتعميمه بأسلوب العصر. وينتشر في عدد من الأماكن العامة مثل سمبوزيوم (ملتقى) رأس المتن، ويقبل على صناعة اللوحات المخصصة للأماكن العامة شباب وشابات وطلاب فنون".

المصدر : الجزيرة