لعب الورق وتدخين الأرجيلة زحفا على الدور الثقافي والأدبي للمقاهي (الجزيرة نت)


نغم ناصر-دمشق

أصبحت مقاهي دمشق الثقافية التي كانت بالأمس محضنا للإبداع الفكري والأدبي تعج اليوم بمظاهر أخرى تزحف على التاريخ الفكري لهذه الأماكن من قبيل تدخين الأرجيلة ولعب الورق.

فالكثير من المقاهي الثقافية التي كان يرتادها نخبة من المبدعين أمثال محمد الماغوط ونزار قباني وعبد السلام العجيلي وسليمان العيسى، ونشأت بينهم وبينها علاقات مازالت محفورة في ذاكرة المكان، أصبحت محجا لكثير ممن تستهويهم التسلية ويغرقون في خضم اللامبالاة.

كذلك الأجواء مثلا في مقهى الروضة حيث الضوضاء والترفيه أكثر وضوحا رغم تأكيد صاحبها أن دورها الثقافي حاضر بقوة.

انحدار الثقافة
ويستغرب الطالب الجامعي فراس كيف يمكن أن يشكل مكان يضج بلعب الورق ويضيق بدخان الأرجيلة مكانا للإلهام الثقافي، ويقول "الثقافة هنا تنحدر وارتياد المقاهي أصبح إدمانا حقيقيا لإضاعة الوقت".

هذا النفور من المقاهي يؤكده كاتب الدراما حسن يوسف، مؤلف سيناريو مسلسل "سقف العالم" الذي عرض في شهر رمضان الماضي، ويقول إنه عندما يمارس خياراته الحرة يكون المقهى دائما خارجها، لأن هواءه غالباً ما يكون "فاسداً" بالمعنى الفعلي والمجازي أيضا.

ففي مقاهي المثقفين –يضيف يوسف- "يحدث أن يكون التلوث مزدوجاً في بعض الأحيان، فقد يجتمع تلوث الفكر مع تلوث الهواء ليشكلا جواً طارداً للأكسجين بالنسبة لي".

ويوضح يوسف أن حضوره في بعض المقاهي مجرد تلبية لدعوة الأصدقاء قائلا "أنا لا أرتادها إلا عند الضرورة القصوى، مرة في العام أحياناً، وغالباً ما يختار الضيف المكان، وأفعل ذلك احتراما له".

مسايرة الطوفان
وحتى تلك المقاهي التي صمدت في وجه اجتياح المظاهر الجديدة وحافظت على عبقها الثقافي، لا بد لها من حد أدنى لمسايرة هذا "الطوفان" الجارف، لذلك يبرر صاحب مقهى الهافانا عرض محطات تلفزيونية في مقهاه تبث أغاني ورقصات لا تساير الخصوصية الثقافية المفترضة فيها، ويقول "نحن مضطرون لمسايرة زبائننا بمختلف شرائحهم".

ويشيد في الوقت ذاته بزوار الهافانا الذين يرتبطون عبرها بذاكرتهم الأدبية أمثال الشاعر مظفر النواب والمسرحي جواد الأسدي والكاتب والمخرج عبد اللطيف عبد الحميد.

القاص أسامة الحويج عمر يرى أن الجو الثقافي ما زال حاضرا في المقاهي (الجزيرة نت)
وبدوره يؤكد عبد الحميد ذلك مشيرا إلى أنه يرتبط بالمقهى عبر ذاكرته التي قال إنها "تحاكي من ارتادوا هذا المكان سابقا وأغنوا الثقافة بكافة مجالاتها الإبداعية".

لكنه يعترف بأن الحميمية الخاصة التي تربطه بهذا المكان الذي كتب فيه ذروة أعماله "بدأت في الانحسار فعلا"، ورغم ذلك فإنه يرى أن "الإنسان قادر دائما على خلق جوه الإبداعي بأدواته الخاصة".

أضغاث ذاكرة
ويرجع الدكتور بشار خليف تراجع الدور الثقافي للمقاهي في دمشق لاستقرار الوضع السوري، "فأدوات الاستقرار ساهمت في استقرار المقاهي، وباتت أمكنة لتبادل المصالح والعواطف والدخان، بعدما شكلت منذ مطلع الأربعينيات مكونا أساسيا في الحراك السياسي الثقافي الذي شهده المجتمع السوري".

مقاهٍ يعتقد خليف أن السكون حل فيها مكان الحراك ومن ثم صارت أضغاثا لذاكرة ماض لن يعود، "فهي ابنة زمانها وظروفها".

ويقول الشاعر أحمد فؤاد نجم، الذي سكن في دمشق مدة خمس سنوات منذ عام 1982 وارتاد مقاهيها رفقة أصدقائه أمثال نزيه أبو عفشة ومظفر النواب، إن "المناخ العربي العام ينسحب على تفاصيل الحياة العربية بكافة أشكالها لذلك من الطبيعي أن ينحسر دور المقاهي الثقافية".

وعلى مبدأ المثل القائل "إذا ضاع الغالي فلا أسف على الرخيص"، لا يستغرب نجم هذا التقهقر ما دامت حتى "فلسطين التي شكلت قضيتنا الأسمى تراجعت أمام ثقافة القبح التي تجتاح الوطن العربي".

المصدر : الجزيرة