مريم ماكيبا كرست حياتها وأغانيها لمحاربة نظام الميز العنصري (رويترز-أرشيف)

هي رمز أفريقي لا يقل شهرة وأهمية وتأثيرا عن الزعيم نيلسون مانديلا، قائد ثورة السود في جنوب أفريقيا ضد التمييز العنصري، فهي أيضا حملت بين جوانحها آلام أبناء جلدتها الذين اضطهدهم البيض يوم كانوا لا يرون فيهم أكثر من عبيد.

ولئن كان مانديلا قد حمل جمرة التمييز العنصري 27 سنة بين القضبان في سجون نظام بريتوريا العنصري، فقد حملتها هي بين جنبيها ومضت تطوف بها أرجاء العالم طوال 31 سنة من المنفى.

ماتت مريم ماكيبا، المغنية الجنوب أفريقية التي كرست كل حياتها وأغانيها وحفلاتها لمحاربة نظام يفرق بين الناس لمجرد اختلاف ألوانهم، حتى إن آخر حفلة أحيتها ليلة الأحد 9 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي في إيطاليا ولفظت أنفاسها بعدها، كانت لصالح ستة أفارقة سود قتلوا في سبتمبر/أيلول الماضي على يد "الكامورا"، وهي تنظيم المافيا الذي ينشط بمدينة نابولي (جنوب إيطاليا) ونواحيها.

ماكيبا أيضا في حفلتها الأخيرة، التي سقطت مباشرة بعدها بأزمة قلبية وهي العجوز ذات الـ76 عاما، تضامنت مع الكاتب الإيطالي روبرتو سافنيو الذي تلقى بدوره تهديدات من منظمة "الكامورا".

بؤس وموهبة
ولدت الطفلة "زينزي"، وهو اسمها الحقيقي، وهو تصغير لاسم "أوزنزيل" الذي يعني "لا تلومن إلا نفسك"، في الرابع من مارس/آذار سنة 1932 في ضاحية سويتو خارج جوهانسبرغ.

مريم ماكيبا موهبة صنعها البؤس والتمييز العنصري (الفرنسية-أرشيف)
منذ السنوات الأُوَل من عمرها، بدأ البؤس والشقاء يحومان حولها، فقد مات أبوها وهي ابنة خمس سنين، وعاشت طفولة تعيسة مع أمها التي كانت تشتغل من أجل أن تؤمن لها أسباب العيش.

ولأن من البؤس ما يصنع المواهب ويفجر الطاقات، فقد بدأت "زينزي" الغناء في حفلات وأنشطة الكنيسة وكذا في حفلات الزفاف، وكانت تلك أولى الخطوات التي بزغ معها نجم مغنية ستحمل آلام وآمال قارة بأكملها، وتصبح رمزا من رموزها سفيرة لموسيقاها في العالم، حتى أصبحت تلقب "ماما أفريقيا".

في بداية الخمسينيات من القرن العشرين أصبحت تشق أجواء الشهرة بأغانيها التي بثتها لواعج المضطهدين من أبناء بلدها وجلدها ولونها، وشيئا فشيئا بدأت تجر عليها غضب السلطات إلى أن تقرر نفيها خارج البلاد وتجريدها من جنسيتها.

في العالم الجديد
وفي سنة 1956 قادها القدر بعد لجوئها للولايات المتحدة الأميركية إلى أن تصبح عضوا في المجموعة الغنائية الشهيرة "منهاتن براذرز"، وهناك غيرت اسمها وأصبحت تدعى مريم.

وهناك في "العالم الجديد" تفتحت لها أبواب الشهرة، وسجلت بعضا من أغانيها الناجحة في الولايات المتحدة مثل أغنية "باتا باتا" وأغنية "ذا كليك سانغ".

غنت ماكيبا باللغة الإنجليزية وبلغتها الأصلية خوسا، وكذا باللغة البرتغالية والإسبانية واللغة اليديشية، وهي لغة جرمانية يتحدثها ما يقارب 3 ملايين شخص حول العالم أغلبيتهم من يهود الأشكناز.

وفي سنوات الستينيات من القرن الماضي بلغت أوج أدائها، وحصدت عددا من الجوائز العالمية، وكانت أول موسيقية أفريقية تفوز بجائزة غرامي عام 1966.

ولأن الشقاء أبى أن يفارقها، فقد حاولت سنة 1960 العودة إلى جنوب أفريقيا لتحضر جنازة والدتها، لكن سلطات بريتوريا كان لها رأي آخر، فذرفت "ماما أفريقيا" دموعها بعيدا عن جثة أمها وقبرها.

وفي عام 1968، وبعد حياة زوجية سابقة مع عازف الجاز هوج ماسيكيلا، تزوجت المناضل الحقوقي في حركة الحريات المدنية، الأميركي من أصل أفريقي ستوكلي كارميكايل، مما خلق لها متاعب في بلد تمثال الحرية أجبرتها على الانتقال للعيش في غينيا.

نيلسون مانديلا وصف ماكيبا بأنها "سيدة الغناء الأولى بجنوب أفريقيا"  (رويترز-أرشيف)
وقعت ماكيبا من جديد إذن ضحية التمييز العنصري لكن هذه المرة في الولايات المتحدة الأميركية، رغم أنها بلغت من شهرتها الفنية في هذا البلد أن غنت إلى جانب الشقراء مارلين مونرو في ذكرى ميلاد الرئيس الأميركي جوج كنيدي.

وممثلة أيضا
في سنة 1985 حصلت على وسام ثقافي وأدبي فرنسي رفيع، لكن القدر شاء أن تمتزج لها فرحة هذا التتويج بألم فقدان عزيز، حيث ماتت في السنة نفسها ابنتها الوحيدة عن عمر يناهز 36 عاما.

عملت في التمثيل والتأليف والتلحين، ولعبت أدوارا في عدة أفلام من بينها الشريط الوثائقي "العودة إلى أفريقيا" الذي تناول فيه مخرجه الأميركي ليونيل روغوزين مأساة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.

كما مثلت سنة 1992 دور الأم "أنجلينا" في فيلم "سفارينا" الذي يتناول بدوره موضوع التمييز العنصري في بلادها، وحملة التهجير التي تعرض لها أبناء بلدتها الأصلية.

وكان على سفيرة و"سيدة الغناء الأولى في جنوب أفريقيا" -كما وصفها مانديلا- أن تنتظر عقودا من الزمن حتى يتحرر هو من السجن ويتغير نظام الحكم ويتولى الرئاسة في البلاد ويدعوها هو شخصيا عام 1990 للعودة ومعانقة التراب الذي رضعت منه الغناء.

بدأت مناضلة ضد التفاضل بين الناس بألوانهم، حاربته في الداخل والخارج، وأنهت حياتها فوق خشبة المسرح وهي تغني قائلة لا للتمييز العنصري، إنها حقا "ماما أفريقيا".

المصدر : الجزيرة + وكالات