من أمسية محمود درويش في حيفا
 (الجزيرة نت-أرشيف)
لعل أبرز ما في كتاب الشاعر الفلسطيني محمود درويش الأخير أنه يحاول إثبات مقولته بأنه لا انفصال بين الهم اليومي والسؤال الوجودي عندما يمزجهما معا بمكنون المرارة المؤلمة والحزن المفجع.

   

هذا ما حاول درويش أن يبرهن عليه في ديوانه الصادر عن دار رياض الريس للنشر في بيروت تحت عنوان "أثر الفراشة" الذي يجمع –كما يقول درويش- صفحات مختارة من يوميات كتبت بين صيفي 2006 و2007.

 

وتشي الأسطر القليلة التي حملها غلاف الكتاب بكثير من محتواه حيث يعيد فيها الشاعر تلك العلاقة بين الدنيوي والمقدس بعلاقة تأملية رائعة عندما يقول: "الفارق بين النرجس وعباد الشمس هو الفرق بين وجهتي نظر. الأول ينظر إلى الماء ويقول لا أنا إلا أنا. والثاني ينظر إلى الشمس ويقول ما أنا إلا ما أعبد، وفي الليل يضيق الفارق ويتسع التأويل.

 

معبرا عن الهم اليومي، يذكر درويش في قصيدته "البنت الصرخة" بمأساة الشعب الفلسطيني وصراخه الذي لم يعد العالم يستمع إليه، فيحاول الشاعر إثارة زلزال وجداني:

 

على شاطئ البحر بنت وللبنت أهلٌ.

وللأهل بيتٌ وللبيت نافذتان وباب.

وفي البحر بارجةٌ تتسلى بصيد المشاة.

على شاطئ البحر، أربعة، خمسة، سبعة يسقطون على الرمل،

والبنت تنجو قليلا.

لأن يدًا من ضباب، يدا ما إلهية أسعفتها،

فنادت أبي يا أبي قم لنرجع فالبحر ليس لأمثالنا.

لم يجبها أبوها المسجى على ظله في مهب الغياب.

 

أما في قصيدة "أثر الفراشة" التي تحفل بسمات برزت في مجالات كثيرة في مواد الكتاب، فتبدو واضحة تلك الإشراقة الصوفية عبر رفع الرمز البسيط (الفراشة) -بصفة الغائب- إلى مستوى المقدس:

 

أثر الفراشة لا يُرى، أثر الفراشة لا يزول.

هو جاذبية غامضٍ يستدرج المعنى، وترحل حتى يتضح السبيل.

هو خفة الأبدي في اليومي، أشواق إلى أعلى وإشراق جميل.

هو شامة في الضوء تومئ حين يرشدنا إلى الكلمات، باطننا الدليل.

هو مثل أغنية تحاول أن تقول وتكتفي بالاقتباس من الظلال ولا تقول.

المصدر : رويترز