الفنان التركي فؤاد باشار يوزع قطرات لون على صفحة الماء (الجزيرة نت)

عبد الحكيم أحمين-الدوحة
 
بينما غاص الفنان التركي فؤاد باشار ليحدد مسارات واتجاهات قطرات أصباغ على صفحة ماء، وقف جمهور بين يدي المشهد في انتظار ولادة لوحة تشكيلية فنية من حوض مائي، وذلك في إطار فعاليات معرض مركز قطر الثقافي الإسلامي الذي يقام في المدة بين 13 و23 يناير/كانون الثاني الجاري بالعاصمة الدوحة.
 
وبينما يرسم الفنان فؤاد باشار لوحته على الماء، تحدث للجزيرة نت عن علاقة وجد وهيام شرعية تربطه بفن الأبرو أو فن الرسم على الماء. فمنذ سنوات عديدة خلت لا يزال باشار يسرد حكاياته ويفشي أسراره وأحلامه لوحاتٍ فنية تحمل معاني الحياة والحب والعطاء.
 
علاقة باشار الوجدانية تلك لم تولد صدفة بل هي امتداد في نحو ثلاثين عاما من عشق آخر للخط العربي زوّق به آيات قرآنية بأنامل وملامح تركية خالصة، بل إنه يقول إن علاقاته هي امتداد عريق في الزمان والمكان وإرث يحفظه بعد أن نقله التجار المسلمون منذ ما يناهز الألف سنة من آسيا وبالضبط من تركمانستان إلى إيران ثم إلى تركيا.
 
الأبرو كلمة فارسية تعني الغيوم أو السحاب، وباللغة التركية تعني حاجب العين أو الورق الملون والمجزع، أو الورق والقماش الملون بألوان مختلفة بشكل مموج يشبه حاجب العين، كما تجيء في التركية مرادفا لمعنى الورق أو القماش الملون الذي يستخدم في تغليف الكتب والدفاتر.
 
إبداع تشكيلي
أما فن الأبرو فإبداع تشكيلي يدوي تقليدي آسيوي الأصل، اكتشفه التجار المسلمون منذ أكثر من ألف عام في تركمانستان شمالي الصين ونقلوه إلى إيران، وهناك من يقول إنهم نقلوه إلى تركيا حيث اهتمت به الدولة العثمانية ومن ثم انتشر في باقي بلدان العالم خاصة في أوروبا الغربية، حسب رأي أستاذ الخط والأبرو فؤاد باشار.
 
ما يميز هذا الفن هو بساطته في كل تفاصيله. فقبل تنفس صبح لوحاته، يحتاج الفنان إلى "تكنة" وهي حوض مائي من الزنك مستطيل الشكل، حوافه ملساء تمكن من انسياب أي ورقة من الحوض دون خدوش، ويحتاج إلى ماء يخلط بمادة "الخفرة" وهناك من يطلق عليها "الكثيرا" وهي مادة تؤخذ من حرج جذور الأشجار وأغصانها الكبيرة وتترك المادة السائلة منها حتى تتصلب ثم تطحن لتستعمل في تقوية كثافة الماء.
 
هذا الفن لا يقبل الأصباغ الكيمياوية، إذ تستخلص أصباغه -يقول باشار- من الأكاسيد المعدنية الطبيعية من الطين، فتصفى وتطحن لتشكل أصباغا مختلفة. ولتحضير لون ما تخلط كمية من مسحوق اللون ببعض الماء وتسحن حتى يذوب المسحوق تماما ويصبح اللون على شكل رائب ويحفظ في زجاجة مع إضافة مادة الأكسيد إليها ليساعد ذلك في تمدد الصبغ على لوحة الماء أو ما تسمى "تكنة".
 
الفنان يرفع لوحة من التكنة أو حوض الماء (الجزيرة نت)
أدوات الفن
هذه البساطة تنسحب أيضا على باقي أدوات فن الأبرو، حيث يستعمل الفنان "الفراشي" وهي فرشاة يتكون رأسها من شعر ذيل الحصان، ولا يقبل في هذا الفن رؤوس فرشاة من مادة بلاستيكية أو غيرها. كما يستعمل عدة إبر بأشكال متعددة وذات أسنة مختلفة، فهناك "السنبلة" و"الإبرة" و"خطيب الأبرو" و"المشط" وغيرها.
 
هذه الأدوات تساعد الفنان على تمديد قطرات الأصباغ التي يلقيها على صفحة لوحته المائية من أجل تأليف أشكال متعددة لسمات لوحات الأبرو، ثم إن نوعية الورق الذي يستخدم في العمل يجب أن تكون ذات قدرة عالية على الامتصاص وخالية من الأحماض، ويمنع استخدام الورق المصقول واللماع.
 
بعد ذلك يضع الفنان الأصباغ التي سيستعملها في صنع لوحته، ثم يدخل "الفراشي" أو الفرشاة في زجاجة لون ويهزها قليلا لتقليل كمية الصبغ في الفرشاة ثم يمسك طرفها الخشبي باليد اليمنى ويضع الفرشاة على الإصبع الثاني لليد اليسرى، ويبدأ بالطرق على الإصبع فوق "التكنة" أو لوحة الماء بشكل متأن لرشّ اللون على شكل نقاط، وهذه العملية نفسها تتكرر مع باقي الألوان.
 
يشكل الفنان أرضية لوحته الأولى ثم يضيف إليها قطرات أصباغ أخرى، ويمرر إحدى الإبر على النقطة التي يريد تمديدها على اللوحة لجهتي اليمين والشمال ولأعلى ولأسفل حتى يتم الحصول على الشكل المطلوب وحتى تعبر في النهاية عن ملامح طبيعية مستقاة من حياة الحقول والبساتين على شكل زهرة "اللالة" والياسمين أو السنبلة أو القرنفل أو غيرها من أشكال الزهور والورود.  
 
وبعد هذه العمليات يضع الفنان ورقة على صفحة لوحته المائية، ثم يرفعها من أطرافها من الحوض بلطف، وتترك لتجفّ حيث يظهر بعدها الشكل المرغوب فيه من فن الأبرو. ويشتهر هذا الفن بأسماء تصميمات خاصة به منها الصخري والرخامي والشال والممشط والطاووس وعش العندليب والمتردد وتعريق الزهولا.
 
هذه التصميمات تعبر عن المدرسة التقليدية في هذا الفن، الذي أصبح هو الآخر يعاني من انعدام الرؤية والجمال، إذ صارت لوحات "المدرسة الجديدة مثل كابوس النوم، لا يوجد فيها أساس ولا جمال، بل تنعدم فيها الرؤية حسب قول الفنان فؤاد باشار.

المصدر : الجزيرة