جانب من سوق أثرية في طرابلس القديمة تم ترميمها (الجزيرة نت)

نقولا طعمة-لبنان

تثير خطة لإحياء المعالم الأثرية في مدينة طرابلس شمالي لبنان تباينا في الآراء بشأن أهدافها وطرق تنفيذها ومدى قدرتها على تأهيل ما تزخر به أغنى مدينة أثرية في البلاد.

وأمام تضرر آثار المدينة جراء العوامل الطبيعية والحروب والتدمير, وضعت خطة في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي لإحياء المدينة الأثرية بتعاون بين البلدية والجامعة اللبنانية وشبكة إعادة تأهيل مدن المتوسط (Med-Rehab). وصنّفت الخطة 193 معلما بأنه أثريّ، ونفّذ قسم قليل منها.

ومنذ سنة ونصف بدأ تنفيذ بقية الخطة، حيث رصد البنك الدولي 20 مليون دولار أميركي لتنفيذ تصوّر لإحياء تراث المدينة القديمة سميّ بـ"مشروع إحياء الإرث الثقافي".

وقد انتقد رئيس لجنة الآثار والتراث في بلدية طرابلس خالد تدمري المشروع، قائلا إنه ينفذ بشكل رديء ودون إشراف البلدية أو مديرية الآثار أو الأخصائيين، واعتبر أنه من شأن ذلك أن يفوت على المدينة فرصة انتظرتها 50 عاما.

جزء من المعالم التراثية الكثيرة التي تزخر بها طرابلس القديمة (الجزيرة نت)
أخطاء وتشويه
ويرى تدمري أن المشروع ينطوي على بعض الأخطاء تجعل منه مجرد "تغيير سطحي لواجهات الأبنية، أي ماكياج. ولا يعود على المدينة بالفائدة المرجوة إذا لم يتناول الأبنية من الداخل والخارج".

وحسب تدمري فإنه "كان يفترض تأمين منازل للمقيمين في مواقع أثرية، فإذا البنايات التي تشيد لهم تفاقم التشوّه، وعمليات ترميم الجدران تخالف المواصفات الأصلية مثل نوعية الطين (...) والماء يتسرّب وسيقضي على الماكياج في سنوات قليلة".

ويتحدث تدمري عن النهر العابر للمدينة حيث "سيجري سقف مجراه لمسافة 300 متر، لتتدافع فوقه البسطات فيعود سوقا شعبيا مشوها، ويتحوّل النهر إلى مجرور. بينما تحافظ مدن العالم على الأنهار التي تعبرها وتجمّلها وتقيم عليها المنتجعات".

ومن جانبها تنتقد مديرة "مركز الدراسات العليا لترميم الآثار" في الجامعة اللبنانية راوية مجذوب المشروع وتصفه بالمخيّب لأنه لا يتضمن ترميم الأملاك الخاصة، فأوكلت المهمة لمجلس الإنماء والإعمار الذي قام بعمليّة ترميم سطحية.



"
تزخر طرابلس بآثار تعود لمختلف الحقب التاريخية من الفرعونية وحتى العثمانية تجعل من المدينة متحفا حيّا نادرا على شرقي المتوسط
"
دفاع عن المشروع
لكن رئيس بلدية طرابلس المهندس رشيد جمالي يدافع عن الخطة ويعتبر أن من السابق لأوانه الحكم عليها لأن الأشغال لم تنته بعد، ووعد بإجبار المتعهد على إصلاح أي ثغرة في التنفيذ، مشيرا إلى أن هناك رقابة دائمة ومتابعة وإشرافا على الأعمال من طرف استشاري مشهود.

وردا على الانتقادات القائلة إن الأبنية تشوه المنطقة، أكد جمالي أن الخطة تنفذ بطريقة جمالية أفضل بكثير مما هو موجود الآن، وأن قسما من مجرى النهر سيتحوّل إلى منطقة سياحية وحدائق وفق الطريقة الأكثر تطورا في العالم.

لكن جمالي لا يدعي أنه سيتم تأهيل كل المدنية لأن ذلك يتطلب مليارات الدولارات، ولا يعتبر أنه من الضروري ترميم بيوت الناس، بل إن ذلك مستحيل لأن البيوت مأهولة.

وتزخر طرابلس، التي ظلت مستوطنة منذ القدم، بآثار تعود لمختلف الحقب التاريخية من الفرعونية وحتى العثمانية تجعل من المدينة متحفا حيّا نادرا على شرقي المتوسط.

طرابلس القديمة تشهد تنفيذ مشروع لإحياء معالمها التاريخية (الجزيرة نت)
متحف حي
وتمتدّ الكتلة الأثرية على مدى حوالي أربعة كيلومترات، وتضم أبنية متواصلة كانت لها بوابات ضخمة للحماية، وشوارعها ضيقة، وبها مساجد أثرية، ومدارس وزوايا وقصور وخانات وحمامات وأسواق، وأبرز معالمها "قلعة طرابلس".

لكن جزءا من تلك الآثار تأثر بفعل الطبيعة أو الحروب في حين تدمرت أجزاء منها جراء توسيع مجرى نهر أبو علي عقب الفيضان الذي قضى على الآلاف من السكان عام 1956. وأثناء تنفيذ هذا المشروع، قضي على معالم أثرية وأزيلت أحياء كاملة.

المصدر : الجزيرة