أحمد فؤاد نجم: بكل أسف حماس أنهت حكاية الثورة الخاصة بها (الجزيرة نت)

حاورته من دمشق/ نغم ناصر
شاعر تفاؤله بمستقبل عربي مشرق بحجم معاناته خلف القضبان، وغناه الأدبي والثوري بحجم فقر نصّبه سفيرا لفقراء العالم العربي. شارف على الثمانين بعنفوان وبأس قلما يشهدهما الشباب.

مع الشاعر أحمد فؤاد نجم كان هذا الحوار.

ما شعورك باختيارك سفيرا لفقراء العالم العربي؟

جاء متأخرا لكنني سعيد جدا، فأنا أمثل تسع أعشار العالم: الأغلبية الصامتة. سأؤسس حكومة المنفى باسمهم تشمل عشاقهم كالمسيح والإمام علي وأبو ذر وغاندي وجيفارا ومانديلا وعنترة.

لماذا تردد أنك قلق على سوريا؟

لأنها مستهدفة بهجمة صهيونية أميركية شرسة. سابقا قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش بيروت خيمتنا الأخيرة واليوم أقول سوريا خندقنا الأخير إذا سقط انقرض العرب فمصيرهم بمصيرها. نتعرض لحرب إبادة وتطهير عرقي. أعلنها الرئيس الأميركي بوش حربا صليبية ونتجاهل ذلك، لكن الدين المسيحي بريء من أمثاله.

لماذا تراجع الشعر المقاوم رغم تزايد التكالب الاستعماري الذي تتحدث عنه؟

انحطاطنا الذي أدى لتراجع كل شيء أعتبره مؤقتا. اتهم بالجنون لشدة تفاؤلي لكنني واقعي جدا. أدرك وضعنا الحرج وأننا في قاع القاع، لكنني أعتبر أي تحريك للوضع لصالحنا، فالشر موجود لكن المقاومة حاضرة.

ومسؤولية الشعب العربي؟

الشعب مسؤول عن الأنظمة واستمرارها، لكن مجددا إنها حالة مؤقتة لأنه سيسقطها، فاللعبة انكشفت كما حصل مع رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة الذي صدعنا بحرصه على لبنان واتهامه حزب الله بالعمالة لسوريا وإيران حتى صرح أستاذه الأحمق بوش بأن حكومته جزء من الأمن القومي الأميركي. المسائل انكشفت وذلك سيمهد للثورة.

كيف تنظر إلى ما يمثله حزب الله من مقاومة عقائدية وهل تختلف معهم؟

ربما في تفاصيل صغيرة لكنني لا أستطيع إثارتها خلال معركة صمود ومقاومة نعتز بها وخلافاتنا تحتمل التأجيل فاستحقاقه النضالي أسمى بكثير.

"
لو سلمنا جدلا بصحة المخاوف التي لا أساس لها من الصحة أليس الخطر الشيعي أقل من الخطر الصهيوني؟
"
لكن هناك من يرى الخطورة تتجاوز تفاصيل صغيرة حيث يعتبرونه أداة مشروع إيراني؟

لا أدري لماذا يصر البعض على تناسي موقف الثورة الإيجابي حين أسقطت الشاه، فبعد استيلائها على السفارة الإسرائيلية أنزلت العلم الإسرائيلي واستبدلته بالفلسطيني وسلمت كل الوثائق المهمة لأبي عمار الذي باع القضية في أوسلو.

إيران دولة شقيقة رغم سياسة التضليل لبعض الإعلام العربي الذي يحذر من خطورة الشيعة الذين شكك الإعلام المصري أيضا في انتمائهم للإسلام، مما حرضني لكتابة قصيدة بعنوان التضليل. لو سلمنا جدلا بصحة المخاوف التي لا أساس لها من الصحة أليس الخطر الشيعي أقل من الخطر الصهيوني؟

ده شيعة وإحنا سنة

ده فين ومصر فين

عايزين يدخلونا نظام

وناس تقول شيوعي

وعامل حالو شيعي

عشان خايفين طبيعي ليبقى ثورتين

هناك استهجان شديد لحركة التشيع التي تتهم بها إيران؟

من لا ينوي تغيير طائفته لن تحمله أي قوى على ذلك. لا أنكر أن الإعلام بيد مضللين يسوقون ما يريدون لكننا أذكى من تصديقهم.

ما الذي تغير في شعرك؟

حدة النقد أقل لأنني اكتسبت خبرة جعلت قصائدي أكثر هدوءا وحماسة فأنا استطعت إيصال ما أريد وحققت ذاتي كشاعر.

"
سئلت مرة لماذا أشتم الحكام العرب فأجبت أتمنى مدحهم لكنهم لا يمنحونني الفرصة
"
الحماسة تنتجها قلة الخبرة؟

طرق التعبير تختلف مع مرور الزمن. ربما الحماسة لا تخف لكن الإبداع يصبح أكثر هدوءا والهدوء قاتل أحيانا، فأنا أوصل كلمة كنصل الخنجر وبأسلوب هادئ جدا اكتسبته من تجربة طويلة. مثلا أعبر عن غضبي بالشتم كالقول يا أولاد الكلاب وأستطيع إيصالها بشكل آخر، فالمهم ملامسة الجرح وذلك لا يعني أني تخليت عن قضيتي لأنها ما زالت موجودة ولم أنحرف عن مساري رغم رغبتي أحيانا في التغيير في منهج معين. سئلت مرة لماذا أشتم الحكام العرب فأجبت أتمنى مدحهم لكنهم لا يمنحونني الفرصة.

هل ترى السباب مباحا في الفن؟

نعم فكل شيء مباح لإيصال رسالة الفن. لا فرق في الطرق سواء واضحة أو مخملية أو مقترنة بكلام بذيء طالما الرسالة مشروعة ووصولها دلالة نجاح الفن.

القذافي منحك فرصة مدحه عندما قدم دعمه لك؟

من يصدق أن يدعم حاكم عربي شاعرا يرفض كل الأنظمة العربية. هذه مساومة مقنّعة لذلك أجبته ببساطة "أكبر دعم بقاؤك بعيدا عني".

كيف تنظر للانقسامات الفلسطينية؟

توابع أوسلو ومسؤولية أبي عمار الذي وضع يده بيد قتلة شعبه ومغتصبي وطنه ولا أعتبر هنية أو محمود عباس مسؤولين عن ذلك.

"
بكل أسف حماس أنهت حكاية الثورة الخاصة بها
"
أترى أن حماس استدرجت للسلطة وتتحمل مسؤولية أشد لأن غلطة الشاطر بألف؟

هذا خطؤها الأساسي. بعد فوزها الانتخابي الكاسح كتبت عمودا أحذرها من انتهاء دورها كمنظمة ثورية إذا دخلت اللعبة السياسية وبكل أسف هذا ما حصل.

هل تعتقد أن الأمور قد تعود لنصابها؟

الأمور تعقدت وحماس أصبحت تشبه فتح عندما عذبت مقاتلين منها تعذيبا بشعا تتبرأ منه كل المنظمات الثورية.

لكن جيفارا الذي تصفه بالثائر الخالد أعدم خصوما كثيرين؟

نعم، لكن في زمن الثورة حيث كل شيء مباح. بكل أسف حماس أنهت حكاية الثورة الخاصة بها.

ماذا عن الجهاد الإسلامي؟

وضعهم أفضل بكثير لأن المستقبل للثورة.

وكيف ترى الواقع الفلسطيني عموما؟

متفائل جدا فطالما الأم الفلسطينية موجودة فمستقبل الثورة بألف خير. كل أمهات العالم ينجبن للحياة إلا الفلسطينية تنجب للشهادة، فمثلا أم الطفل الشهيد محمد الدرة أنجبت بعد استشهاده بثمانية أشهر طفلا أسمته باسمه.

في رأيك الشعب الفلسطيني يمتلك سلاحا ديمغرافيا يتفوق به على السلاح الإسرائيلي؟

طبعا فالأم الفلسطينية التي تنجب ستة أطفال فقط تعتبر عاقرا.

ماذا لو ارتكبت الأجيال القادمة الأخطاء ذاتها باستكمال مسيرة الآباء؟

لا أعتقد ذلك لأننا لا نستطيع تحميل خيباتنا للأجيال الأخرى.

"
الجزيرة أنجح مشروع عربي إعلامي رسخ مفهوم الرأي والرأي الآخر الذي نفتقده
"
ترمز للوطن في قصائدك بالمرأة، لكنك تقول إن حبها مجرد علاقة جسد عابرة؟

حب الوطن بيولوجي أما حب المرأة فعابر، وعندما أرمز بها للوطن أقصد الأم التي تمثل الحب والحياة والاستمرار.

كجميلة بوحيرد مثلا؟

المرأة الجزائرية أجمل ما في الجزائر فكيف وهي جميلة وثائرة كبوحيرد التي كان لي شرف لقائها لإجراء حوار لمجلة فلسطين الثورة.

قالت لي كيف الحوار وأنت تفكر بالقلم وأنا بالمدفع. أذكر أنني قلت أنت مجنونة، فقالت لي وأنت؟ قلت نعم، فقالت إذن المجد لمجانين هذا العالم الذليل.

كانت رائعة ببساطتها البالغة وجرأتها الشديدة. أخبرتني أنها طلبت من بومدين أن يؤمن لها طائرة محملة بالقنابل لتفجرها فوق تل أبيب. إنه تصور بسيط لمواطن يعرف أين أعداؤه.

ذكرت في لقاء سابق مع الجزيرة أن الجزيرة صليب على صدرك. لماذا؟

لأنها أنجح مشروع عربي إعلامي رسخ مفهوم الرأي والرأي الآخر الذي نفتقده.

أتعتبر أنك حملت همومك وهموم الوطن صليبا على صدرك؟ 

نعم فالوطن صليب على صدري سعيد به، وقادر حتى الآن على حمله ومستعد للموت، لكن لا لإنزاله.

ألا تخشى على حياتك عندما تشهر بأصحاب النفوذ وتشتمهم؟

أنا أومن بمقولة كان يرددها الإمام علي كرم الله وجهه، مثلي الأعلى أثناء الفتن الكبرى عندما كانوا يطلبون منه الاستعانة بحراس لحمايته "نعم الحارس الأجل" فالأجل محدد والموت حتمي.

"
دائما الثورات تأكل أبناءها منذ الثورة الإسلامية الأولى، وحتى الفلسطينية أكلت أولادها وكذلك البلشفية. هذه سنة الحياة
"
تذكر أنه تجمعك علاقة خاصة بالله ويتهمك كثيرون بأنك ملحد وشيوعي، لكنك متأثر جدا بالثقافة الإسلامية وتستشهد بروادها؟

ثقافتي إسلامية وليقولوا ما يشاؤون، ألم يكن الإمام علي مسلما ويمثل الفكر الشيوعي قبل ولادة الشيوعية؟ أليس القائل إذا جاع المسلمون فلا مال لأحد و"لو كان الفقر رجلا لقتلته"؟ أليس ذلك فكرا ماركسيا؟

أنا مسلم وأعتز بذلك لكنني أعتز بمبادئه الحقيقية. إسلامي ما وصلني من الرسول محمد وصحابته علي وعمر وأبي بكر.

كان الشيوعيون ملجأ المضطهدين وبات الآن الإخوان المسلمين الملاذ. أتخشى وصولهم للسلطة خاصة في مصر حيث عرفت بمعارضتهم؟

أطمئن اليسار العربي بأنه حتى لو تسلم الإخوان السلطة لن يطبقوا شريعة حكام السعودية المتمثلة في الحدود التي لا تطبق كما توجبه العدالة الإسلامية. ستشغلهم أمور أخرى، فكما يقال لو عثرت بغلة بالشام لسئل عنها عمر بالمدينة. هذه هي الدولة الإسلامية.

كتبت عن مدينة سايغون الفيتنامية بعدما أصبحت بيد الثوار. ما شعورك وأنت ترى أبناء الثورة هجروها وأبرموا معاهدات مع أميركا؟

دائما الثورات تأكل أبناءها منذ الثورة الإسلامية الأولى، وحتى الفلسطينية أكلت أولادها وكذلك البلشفية. هذه سنة الحياة.

أهذا ما يميز جيفارا؟

طبعاً لأنه الثائر الخالد. عندما أعدم ووجدته امرأة مصلوبا على الشجرة قالت: يا إلهي إنه المسيح.

"
العربية لن تنقرض أبدا لأنها لغة القرآن الكلام الخارق، وانقراضها انقراضنا
"
لماذا يفتقر جيل الأدب الحالي لأمثالك؟

نحن رموز لا يجب أن نخشى زوالها، لأن كل جيل سوف يقدم شعراءه وأدباءه. ما زال هناك أدباء من جيلي، عندما نموت سيولد آخرون يحملون اللواء.

هل تؤيد إنذار مجامع اللغة العربية بأن لغة الضاد مهددة بالانقراض؟

العربية لن تنقرض أبدا لأنها لغة القرآن الكلام الخارق، وانقراضها انقراضنا.

عرضت عليك الإقامة خارج مصر؟

طبعا وتلقيت مرة عرضا مضحكا. عندما حكم علي بالسجن عاما بتهمة إهانة الرئيس أنور السادات أرسلت لي السفارة العراقية جواز سفر وأخبروني أن القيادة السياسية والشعبية ستكون في انتظاري. تخيلي أهرب من السادات لأقابل صدام حسين؟

السادات ساذج لكنه أفضل بكثير من صدام الذي لا مزاح معه أبدا. وردتني عروض من فرنسا وليبيا وقبرص لكني لا أستطيع العيش خارج مصر.

ماذا عن نهاية صدام؟

إخراج أميركي أثار عطف الشعب العربي على قاتل. لا أستطيع أن أحبه فكل أصدقائي مشردون بسببه ككوكب حمزة ومظفر النواب وسعد يوسف. حتى النباتات لم تسلم: أحرق عشرين مليون نخلة من أجل حراسته.

تشترك في حبك البقاء في وطنك مع الراحل محمد الماغوط الذي فضل البقاء في دمشق.

بالضبط الماغوط شاعر شريف بدوي لم يتغير واحتفظ ببداوته وترك تراثا عظيما ولم يرحل لأنه ملأ الدنيا وشغل الناس وهو حي بأدبه العظيم.

كم ترك لك الحق من صاحب؟

لا يهمني عددهم فلدي أحباء أينما ذهبت وجمهوري الوفي خير دليل.

ماذا عن صداقتك مع الشيخ إمام والخلاف معه؟

لا خلاف. هناك أعلام على أبنية لا نملكها؟

ربما خلاف معنوي لا مادي؟

الشيخ إمام فنان أدى دورا باقتدار لم يؤده أحد بعده باستثناء السيد درويش. لقد ضحكوا عليه وجعلوه يشتمني وشعرت بالإهانة لأنني كنت عينيه التي يرى العالم بهما، وكنت أساعده في الاستحمام ولباسه، وعلاقتي به دامت أكثر من 27 عاما لا يوما واحدا. وعندما اختلفنا لم نتكلم مجددا، لكنني أنا من دفنه.

"
في النهاية الثورة ستلتهم عددا محدودا، لكن أليس أفضل من أن يتآكل ويسحق كل الشعب؟
"

 تقول دائماً لا. أقلت نعم وندمت؟

لم أقل نعم بعت فيها مبادئي. أنا متأثر بالأديب الروسي مكسيم غوركي الذي يقول جئت للعالم لأختلف معك. قيمة الإنسان في الاختلاف مع محيطه فالعالم مليء بالظلم وإذا اتفقت معه فسأكون مخطئا.

يقول غاندي من السهولة إيقاظ نائم لكن الصعوبة إيقاظ متظاهر بالنوم؟ كيف تصنف الشعب العربي في ضوء هذه المقولة؟

الشعب العربي نائم ولو تظاهر بأنه يفعل ذلك أحيانا. نومه سيكون كارثة عندما يفقد ثقته بقدرة حسم المعركة. في مسلسل عمارة يعقوبيان الذي يعرض قريبا لي قصيدة تقول:

"دوقيني يا عزيزة حتة من مصر العزيزة

حتى ولما تبقى شايفة وعاملة خايفة بالغريزة

هي دي مصر اللذيذة"

أحيانا الشعب يتناوم لكن عندما تتاح له الفرصة سيثور.

أنت متفائل رغم كثرة الحروب والظلم؟

كثرة الحروب تجعلني متفائلا أكثر. طالما نتكاثر كالقردة سنحسم المعركة لصالحنا. المسألة مسألة وقت.

ألست تنظر للثورة كنجم بعيد تتحدث عنه بجمالية لكن تخشى الاقتراب منه لأنك ستفقد روعة تأمله من بعيد؟

فلتقم الثورة وأنا مستعد لأكون أول شخص تلتهمه. في النهاية ستلتهم عددا محدودا، لكن أليس أفضل من أن يتآكل ويسحق كل الشعب؟

المصدر : الجزيرة