يعتبر "الميثاق العظيم" المعروف باسم ماغنا كارتا (Magna Carta) أول دستور مكتوب في التاريخ الحديث. وصدرت مسودة هذه الوثيقة عام 1214 ثم صادق عليها الملك جون لاكلاند عام 1215. ويلقب الملك جون لاكلاند John Lackland "جون بلا أرض" (1166-1216) لأن الفرنسيين استولوا على ميراثه من الأرض.
 
وتنظم وثيقة ماغنا كارتا العلاقة بين القوى الرئيسية الثلاث في إنجلترا، وهي الملك والبارونات والكنيسة. وتلزم هذه الوثيقة الملك بالقانون الإقطاعي وبالمحافظة على مصالح النبلاء.
 
تعني ماغنا كارتا ليبرتاتوم (Magna Carta Libertatum) وهي كلمات لاتينية، ميثاق الحرية العظيم. وبمقتضى هذا الميثاق أجبر جون على منح الأرستقراطية البريطانية كثيرا من الحقوق، بينما لم ينل المواطن العادي غير النزر اليسير. ولم تكفل ماغنا كارتا الحريات الفردية لجميع فئات الشعب، لأن هدفها كان إخضاع الملك لحكم القانون وكبح جماح السلطة المطلقة.
 
عندما فتح النورمنديون بريطانيا عام 1066, حكم ملوكهم البلاد لأكثر من مائة عام محترمين القوانين الإقطاعية والعدل دون رقابة حقيقية على سلطة الملك. ولما تولى الملك جون العرش عام 1199 أساء استخدام سلطته، فطالب الإقطاعيين بمزيد من الخدمات وباع الوظائف الملكية لأكبر المزايدين.
 
ورفع جون الضرائب في عهده دون موافقة النبلاء, وأجبر المحاكم على الفصل في القضايا حسب رغبته وأوامره لا طبقا للقانون. ومن يخسر دعواه يتحمل غرامة كبيرة.
 
هذا التصرف دفع النبلاء للاجتماع مع قيادات الكنيسة للنظر في كيفية الحد من سلطة الملك، وصاغوا قائمة حقوق طالبوا أن يمنحهم إياها، لكنه رفض الاستجابة لمطالبهم مرتين. وبعد ذلك، حشد النبلاء جيشا لإجبار الملك على تحقيق مطالبهم. ولما أدرك جون استحالة هزيمة هذا الجيش وافق على مطالبهم.
 
اشتملت ماغنا كارتا على 63 مادة، ومنحت بعض المواد الكنيسة حرية ممارسة سلطاتها دون تدخل من الملك. وكفلت مواد قليلة بعض حقوق الطبقة الوسطى الناشئة في المدن.
 
ويلزم الميثاق الملك بالحصول على مشورة وموافقة النبلاء في كل المسائل, ولا يجوز زيادة أي ضرائب إلا بموافقة النبلاء. كما تمنع سجن مواطن حر إلا بموجب حكم يصدر من أفراد طبقته.
 
وتضمنت ماغنا كارتا كثيرا من المواد التي قصد بها إلزام الملك بتنفيذ وعوده، ومن ثم شكل مجلس من النبلاء لضمان جدية التنفيذ. فإن أخل الملك بما التزم به ولم يأبه بإنذارات مجلس النبلاء حشد المجلس جيشا لإجباره على الانصياع لأحكام الوثيقة.
 
ولم تحسم ماغنا كارتا الصراع بين جون والنبلاء، ولم يلتزم أي من الطرفين بها كاملة، فنشبت حرب بينهما توفي الملك أثناءها. وفي السنوات اللاحقة وافق ملوك إنجلترا على شروط هذه الوثيقة, واعترفوا بها جزءا من القانون الأساسي للبلاد.
 
خلال القرن السادس عشر اختفت ماغنا كارتا, وأعاد بعض أعضاء البرلمان الحياة لها من جديد خلال القرن السابع عشر. وظل النواب يستخدمون موادها في مواجهة الحكم الاستبدادي لملوك آل ستيوارت، واعتبروا ما ورد بها يخولهم رقابة دستورية على سلطة الملك.
 
ولم يبق في بريطانيا من النسخ الأصلية لماغنا كارتا غير أربع نسخ: نسختين بالمكتبة البريطانية في لندن، والثالثة في كاتدرائية سالزبري، والرابعة في كاتدرائية لنكولن.
 
وتعتبر نسخة لنكولن أفضل حالا من النسخ الأخرى. ولأن الميثاق العظيم عرف بين الشعب البريطاني باسم ماغنا كارتا, فقد تبنت الحكومة رسميا هذه التسمية اللاتينية عام 1946.

المصدر : الجزيرة