سيدي محمد
 
تعتبر اللغة صاحبة دور كبير في كل مجتمع من مجتمعات العالم كونها وسيلة التواصل الثقافي بين أبنائه ورمزا للهوية وأداة لامتداد الحضارة والتراث ولإيصال العلم والمعرفة إلى اللاحق من قبل السابق.
 
وتتخذ اللغة في مجتمعات الدول النامية أبعاداً أخرى سياسية ونفسية ووطنية وعاطفية، إذ إنها كثيراً ما تتحول إلى رمز للاستقلال والتحرر من المستعمر وركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية، كما هي الحال مع اللغة العربية التي أضحت رمزاً لوحدة بلاد العرب من المحيط إلى الخليج.
 
غير أن هذا الرمز بدأ يقل استخدامه في لغة التعليم وهو ما يرى البعض أن له دورا كبيرا في ضعف اللغة العربية وتوسيع الفجوة بينها وبين أبنائها حديثا، حتى أصبحت غير محببة لدى النشء بل وأصبحت عرضة للنكت بسبب صعوبة وغرابة ألفاظها. وهنا يتساءل الكثيرون: أين هي العلاقة بين التعليم واللغة، تلك العلاقة التي يجب أن تكون أساس هوية الفرد وانتمائه؟
 
تشير الإحصائيات إلى أن هناك 600 ألف طالب عربي يدرسون في الجامعات الغربية رغم ما للعرب من تاريخ عميق في ترسيخ المعرفة والتعليم، حيث يذكر المؤرخ الأميركي شارل هاسكنز أن الجامعات العربية الإسلامية سبقت جامعات أوروبا بأربعة قرون وأنها لم تكن مقتصرةً على الدراسات الدينية، بل ضمت إليها فنون المعرفة والعلوم وباستخدام اللغة العربية لغةً للتعليم فيها جميعا، ليس فقط في المواد الإنسانية بل وفي المواد العلمية بما فيها العلوم الطبية.
 
وتنفق الدول العربية مجتمعة على التعليم 5.8% من الناتج القومي بينما يصل الإنفاق الأميركي على التعليم 5.5% من الناتج القومي الأميركي فقط، ومع ذلك فهناك تراجع واضح في نظام التعليم في العالم العربي أدى إلى نسبة عالية من البطالة بين الخريجين من المغرب إلى الخليج، في حين تنفرد أغلب الجامعات الأميركية بصدارة قوائم الجامعات العالمية، فأين الخلل؟ وهل للغة دور في ذلك؟
 
لقد فتح التعليم في العالم العربي -عندما كان باللغة العربية- مجال الدراسة للإناث قبل أميركا بأحد عشر قرناً، إذ لم تتمتع المرأة في أميركا بالتعليم الجامعي إلا مع بداية القرن العشرين في حين أن جامعة القرويين سمحت بذلك في القرن التاسع الميلادي.
 
كما أن التدريس -على سبيل المثال- في مدرسة الطب بالقصر العيني التي افتتحها محمد علي باشا عام 1838 في القاهرة، كان باللغة العربية وتخرج منها خيرة المتخصصين والعباقرة.
 
ونفس المخرجات التعليمية التي يتطلبها المجتمع قدمتها سوريا أيضا حيث أنشئت كلية الطب في دمشق عام 1919 وتلتها كلية طب الأسنان، وتقرر أن يكون التدريس فيهما باللغة العربية. كما قامت كلية الطب بالجامعة الأميركية في بيروت بنفس الخطوة، فكان التدريس فيها باللغة العربية ولم يكن المستوى حينها أقل منه اليوم.
 
ونتيجة لهذا السرد الذي يوضح الالتزام باللغة العربية وحضورها بقوة لا يجد البعض حرجا من أن يرجع الحالة الحالية إلى الدور الذي لعبه الاستعمار، حيث تغيرت لغة التعليم في جامعة بيروت مثلا إلى الإنجليزية لاحقا، ليختل بذلك النسق العروبي. وحينما أنشأ الفرنسيون كلية طب الأسنان في بيروت جعلوا التدريس فيها باللغة الفرنسية، وهذا ما اتفقت عليه مع إسبانيا في شمال أفريقيا أيضاً.
 
لقد فرضت باكستان تعليم اللغة العربية عام 1950 كما أن هناك 5000 مدرسة في أفغانستان تدرس باللغة العربية، وقد نجحت تجربة هاتين الدولتين غير العربيتين في ترسيخ اللغة العربية كأحد أسس الثقافة الدينية في حين فشلت سياسة التعريب.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان الحاسوب استوعب اللغة العربية بعد ثلاث محاولات فقط بينما استوعب بعض اللغات الأساسية بعد 26 محاولة، فلماذا هذا المستوى المتدني للغة الأمة العربية في تعليمها؟
 
وإذا كان المفكر إنجلز يقول في كتابه "جدلية المادة" إن اللغة العربية تحتوي على أربعة آلاف جذر، في حين لا تحتوي أي لغة أوروبية حية على أكثر من 800 جذر, فلماذا ضعفت اللغة العربية في مناهجنا وعلى ألسنة أبنائنا؟

المصدر : الجزيرة