المحفوظ الكرطيط

ودعت الساحة الثقافية العربية إحدى كبريات رائداتها في الأزمنة الحديثة ألا وهي الشاعرة العراقية نازك الملائكة التي ظلت منذ خمسينيات القرن الماضي رمزا لميلاد الشعر الحر وعنوانا بارزا لتحرر المرأة في العالم العربي.

وبوفاة نازك الملائكة عن عمر ناهز الـ84 عاما يسدل الستار على تجربة حياتية طويلة وغنية، لكن صاحبتها ستبقى مرادفا لحركة شعرية تمردت على القصيدة العمودية وأسست لتجربة لا تزال تتفاعل في العالم العربي.

وقد رأت نازك الملائكة النور في جو عائلي وإقليمي يعج بالدلالات والإشارات، فهي من أم شاعرة هي سلمى عبد الرازق وأب باحث اختار لها اسم نازك تيمنا بنازك العابد التي قادت الثوار السوريين في مواجهة جيش الاحتلال الفرنسي في عام 1923 الذي ولدت فيه الشاعرة.

وهكذا تكون نازك ولدت ثائرة وكتب لها أن ترضع إيقاعات الشعر في المهد قبل أن تتفتق ميولها الفنية منذ الصبا حيث كانت مولعة بسماع الموسيقى، وتطور ذلك إلى أن درست الموسيقى بمعهد الفنون الجميلة لتصبح عازفة على إحدى الآلات.

ثورة نازك الملائكة في الحياة تجسدت من خلال رحلتها الأكاديمية الطويلة إذ كانت من أوائل النساء العراقيات اللواتي أنهين دراستهن الثانوية والجامعية بحصولها على ماجستير في الأدب المقارن من إحدى الجامعات الأميركية والتحاقها مدرسة للأدب العربي في جامعتي بغداد والبصرة.

في خمسينيات القرن الماضي ضاق العراق أفقا بنازك الملائكة فجمعت حقائبها وغادرت بلاد الرافدين فكانت محطتها الكويت حيث استقرت مدة طويلة قبل أن تقفل عائدة لتضطر لاحقا لمغادرة العراق بصفة نهائية في خضم الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على بلادها عام 1991. ومنذ ذلك التاريخ استقرت نازك الملائكة في مصر إلى أن وافتها المنية أمس الأربعاء.

دور ريادي
من هذا المسار الطويل سيحتفظ تاريخ الأدب العربي لنازك الملائكة بمكانة خاصة للدور الريادي الذي لعبته في الثورة على شكل القصيدة العمودي، وشق الطريق أمام جيل آخر من الشعراء في العراق كعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وأصوات شعرية أخرى في العالم العربي كصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمود درويش.

ويجمع النقاد على أن قصيدة "الكوليرا" التي كتبتها نازك عام 1947 تمثل واحدة من أقوى اللحظات في مسيرة الشعر العربي الحديث، إذ اعتبروها ثورة على الشكل الكلاسيكي للقصيدة العربية. وتصور نازك الملائكة في تلك القصيدة مشاعرها تجاه وباء الكوليرا الذي اجتاح مصر آنذاك.

وحتى وإن اختلف مؤرخو الأدب العربي بشأن ريادة الشعر الحر بين نازك الملائكة ومواطنها بدر شاكر السياب، فإنهم يرون أن تلك القصيدة فتحت أفقا جديدا وواسعا أمام الشعر العربي.

وقد خلفت نازك الملائكة منجزا شعريا غنيا بتأليف عدة مجموعات شعرية بينها "عاشقة الليل" (1947) و"شظايا ورماد" (1949) و"قرارة الموجة" (1957) و"شجرة القمر" (1965) و"مأساة الحياة وأغنية للإنسان" (1977) و"للصلاة والثورة يغير ألوانه البحر" (1978).

وقد تميزت عن باقي شعراء جيلها بكونها خصصت إلى جانب قرض الشعر بعض الوقت للتأمل في ماهية الشعر فكانت لها وقفات نقدية لمساءلة الشعر العربي وتحليل قضاياه وأسسه وخاصة في كتابها "قضايا الشعر المعاصر" الذي أثار بدوره جدلا حادا إبان صدروه.

المصدر : وكالات