بعد سقوط الإمبراطورية الساسانية ودخول الإسلام إلى إيران أصبحت اللغة العربية لغة الإدارة والعلم والدين في بلاد فارس لأربعة قرون.
 
وخلال هذه المدة كان الإنتاج العلمي والأدبي للمفكرين والعلماء والفقهاء الإيرانيين باللغة العربية، ولقرون أخرى ظل المبدعون يكتبون إنتاجهم باللغتين العربية والفارسية.
 
تلاقح
وبقي هذا التلاقح بين اللغتين يشهد فترات مد وجزر إلى حدود ثلاثينيات القرن العشرين عندما تعالت أصوات مجموعة أطلقت على نفسها اسم "مؤيدي تنظيف اللغة الفارسية من الكلمات الدخيلة" وعلى وجه الخصوص اللغة العربية.
 
ويرى المترجم والمفكر كاظم برقنيسي أنه منذ عهد حكم رضا شاه وحتى الآن تتم محاولات للاستغناء عن الكلمات العربية، ومن ذلك ما قام به المجمع اللغوي في ثلاثينيات القرن الماضي من محاولة لصياغة مفردات فارسية لتحل محل المفردات العربية.
 
وأضاف أنه ما زالت تجري حاليا هذه المحاولات من خلال كتاب ومترجمين يحاولون أن يكتبوا بلغة فارسية محضة، معتبرا أن هذه المحاولات فاشلة.
 
جذور مختلفة
وأوضح برقنيسي للجزيرة نت أن اللغة الفارسية تعد من حيث التصنيف اللغوي من اللغات الهندوجرمانية، وقد تأثرت بالمفردات العربية إلى حد لا نجده في أي لغة سامية أخرى.
 
وأضاف برقنيسي الذي يعد من أشهر المترجمين الإيرانين من اللغة العربية، أن اختلاف قواعد النحو بين اللغتين يجعل من الصعب على العربي أن يفهم كتابا فارسيا قد تكون 90% من كلماته عربية.
 
وأشار إلى أن الأمر يختلف بالنسبة للغات السامية لأن جذورها اللغوية مشتركة مع اللغة العربية، وهذا ما يفسر ذوبان لغات منطقة الهلال الخصيب في اللغة العربية وبقاء اللغة الفارسية وكذلك التركية كلغة قائمة رغم تأثرهما الكبير بالعربية.
 
وأوضح أنه لا يمكن إيعاز هذا الأمر إلى الشعور القومي أو أي عامل نفسي آخر وإنما يعزى إلى سبب علمي يتعلق بجذور اللغات نفسها.
 
برقنيسي: الفارسية غنية بالمفردات العربية(الجزيرة نت)
العربية والفارسية

ويؤكد صاحب التحقيقات المهمة ومنها تحقيق حول رباعيات الخيام وآخر حول غزليات سعدي مع ترجمة للأشعار العربية فيها، أن اللغة العربية أغنت نظيرتها الفارسية بشكل لم تفعله لغة أخرى.
 
وقال إن اللغة الفارسية أصبحت غنية جدا بفضل الكم الهائل من المفردات العربية الموجودة فيها، فعلى سبيل المثال لفظة "مهر" في الفارسية تعني العشق وكذلك "دوست" وتعني المحبة، وبدل مفردتين أصبح الرصيد يزيد عن الأربعة.
 
وأشار برقنيسي إلى أن دخول العربية إلى إيران شكل نقطة تحول كبرى في تاريخ الفكر والفلسفة في هذا البلد، متسائلا أين الفلاسفة والعلماء زمن الدولة الساسانية مقارنة بأولئك الذين ظهروا ولمعوا في إيران بعد دخول الإسلام.
 
وأوضح أن اللقاح الفكري الذي دخل المجال الإسلامي عن طريق ترجمة النصوص اليونانية في نهاية القرن الأول الهجري إلى اللغة العربية، شكل أرضية خصبة للمفكرين والفلاسفة الإيرانيين الذين كان لديهم عطش لتلقي المعرفة التي وفرتها اللغة العربية.
 
تأثر الفارسية
ومن الناحية العلمية البحتة يذهب برقنيسي إلى القول إن الفارسية ما كان لها أن تبقى بعيدة عن تأثير اللغة العربية، فمع دخول الإسلام إلى إيران أصبح القرآن الكريم محور حياة الإيرانيين، ولذلك نجد أن أكبر مفسري القرآن الكريم هو الإمام الطبري الذي كان إيراني الأصل، وغيره كثير في مجالات الفقه والتفسير واللغة.
 
والحال نفسه يمكن تعميمه على الخط العربي الذي أخذ مكان الخط الفارسي لأنه كان الأسهل في القراءة، واستطاع الخط العربي أن يحل إشكالات عديدة كانت موجودة في الخط الفارسي.
 
وبخصوص الوضع الراهن للغة العربية في إيران، قال برقنيسي بأسى "عليها السلام"، موضحا أنه حتى في الفترة القاجارية برز أشخاص كتبوا بعربية جميلة. أما اليوم فالعربية الموجودة عربية "حوزوية فيها الكثير من العجمة"، وحالها لا يبشر بخير إذ رغم كونها تدرس للطلبة في الجامعات فإن مستوى التدريس منخفض حتى بالنسبة لطلبة الدكتوراه.

المصدر : الجزيرة