"بيرة في نادي البلياردو" عمل جديد يترجم إلى العربية لأول مرة، ويقدم وجها مختلفا لمصر في الخمسينيات والستينيات كما يراها يهود ومسيحيون تلقوا تعليما أجنبيا، ويبحثون عن صيغة للانتماء من وجهة نظر مؤلفها وجيه غالي الذي ترك رواية واحدة وسيرة ذاتية غائمة لم تتضح كل أبعادها بعد 38 عاما على انتحاره.

وتبدو رواية غالي أقرب إلى جدارية تمتد في المكان بين القاهرة ولندن راصدة اختلاف الرؤى بين المصريين والإنجليز في قضايا الاستقلال والنظرة "العنصرية" من خلال عين بطل حاد الملاحظة ويجيد اصطياد المفارقة ويمتلك القدرة على الفكاهة والدعابة وينظر إلى نفسه كأحد أفراد الأسرة الإنسانية وليس مجرد مصري يقرأ بنهم.

أحداث الرواية
تدور الرواية في مصر الأخرى التي لا يعرفها كثير من المصريين حيث يتحدث الأبطال الفرنسية أو الإنجليزية وهم يحتسون البيرة في نادي البلياردو والويسكي في مطعم غروبي ويمارسون لعبة البريدج والكروكيت ثم يسبحون في نادي الجزيرة الرياضي، قبل تناول عشاء على سطح فندق فاخر يطل على النيل أو يقمرون في بيت أحدهم.

أما بطل الرواية رام فهو شاب مسيحي ماركسي وجودي عدمي مقامر محب للرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وينتمي إلى بقايا الأرستقراطية الآفلة، أحبته فتاة يهودية مصرية ماركسية تدعى أدنا التي تنتمي إلى تلك الطبقة الثرية.

ومن خلال دعوة أدنا لرام وصديقه فونت إلى بريطانيا يتمكن رام من إعادة اكتشاف نفسه فيقول "لو أن أحدا قرأ كما هائلا من الأدب ولديه معرفة عميقة بالتاريخ الحديث منذ بداية القرن وحتى هذا اليوم ويمتلك مخيلة وبعض الذكاء ووقتا ليفكر، ولو أنه كان شفوقا ويهتم بما يحدث لباقي البشر على اختلاف أجناسهم، ولو أنه كان مخلصا وشريفا فأمامه خياران: إما أن ينضم إلى الحزب الشيوعي ثم يتركه متحسرا على عدم بلوغ الأهداف السامية التي نشأ من أجلها أو أن يجن".

ويظل رام بحكم ثقافته ووعيه مختلفا عن كثير من أفراد أسرته، فعلى سبيل المثال يرى أم كلثوم تتمتع بشعبية من تركيا إلى المغرب لامتلاكها صوتا يأسر القلب ببساطته وجماله، لكن خالته تعتبر صوت أم كلثوم مجرد "عويل".

ويطرح أبطال الرواية رؤى الطبقة العليا في مصر بعدما همشتها رياح ثورة الضباط عام 1952، فالفتاة أدنا ترفض الهجرة من مصر إلى إسرائيل أو جنوب أفريقيا أو فرنسا. أما ليفي وهو يهودي أيضا فيعتقد أن في إسرائيل "الكثير من الاشتراكيين المخلصين"، لكنه يرفض الهجرة إلى إسرائيل خشية أن يفقد استقلاليته.

دناءة الاحتلال
وحين يواجه رام صعوبة في الحصول على تأشيرة للسفر إلى بريطانيا يكتشف "قسوة ودناءة السياسة الخارجية لبريطانيا التي لم يصدقها تماما إلا عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956".

وفي لندن يتعرف رام إلى بريطانيين ثوريين وماركسيين وعبثيين ويحبهم لكنه لا ينسى "وحشية الإنجليز"، كما يقابل بعضَ من حاربوا المصريين في قناة السويس ممن يعتبرون العرب "قذرين" وتتكرر عبارة "العربي القذر" بما يؤكد وجود عنصريين يصبحون موضع استنكار حتى من مواطنيهم.

ويظل رام محتفظا بمثالية تجعله يستنكر قيام دولة بغزو أخرى ويرى أن الغزاة "جنس لا يعجز عن إيجاد الادعاء الأخلاقي الذي يغطي ما يقوم به، فحين يعجز عن إيجاد أسواق لبضائعه البائرة يرسل المبشرين لتعليم السكان المحليين كتاب السلام، فيقتل السكان المحليون المبشرين فيطير إلى هذه الشعوب بأسلحته وعتاده لنصرة المسيحية.. يحارب من أجل المسيحية، ويغزو من أجل المسيحية، ثم يحصل على السوق الذي يريد كمكافأة من السماء".



"
في الهند يجوع الناس لدفع ثمن الديمقراطية المنشودة، وفي الصين لايجوعون على الإطلاق لأن دكتاتورية شيوعية تحكمهم، أما نحن فلدينا أسوأ ما في النظامين معا الدكتاتورية والجوع بالإضافة إلى عدم وجود مستقبل نتطلع إليه
"
فلسفة الاستقلال
بطل الرواية الغريب وسط أفراد أسرته المغترب في وطنه، يلخص فلسفته قائلا "من الغباء أن نعيش في ظل دولة بوليسية دون التمتع بفوائد السيطرة.. لو أنه مقدر علينا أن تحكمنا الدكتاتورية فلتكن شيوعية. في الهند الناس هناك تجوع لتدفع ثمن الديمقراطية المنشودة، وفي الصين الناس لا تجوع على الإطلاق لأنه تحكمهم دكتاتورية شيوعية، أما نحن فلدينا أسوأ ما في النظامين معا الدكتاتورية والجوع بالإضافة إلى عدم وجود مستقبل نتطلع إليه".

"بيرة في نادي البلياردو" تقع في 244 صفحة من القطع المتوسط وصدرت في القاهرة عن دار العالم الثالث بترجمة هناء نصر.

وحول الرواية ومؤلفها كتب أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة ماهر شفيق فريد مقدمة ذكر فيها أنها نشرت في بريطانيا عام 1964 وأن مؤلفها عاش بين القاهرة وأوروبا وانتحر في سن الأربعين عام 1969 في لندن، بعد معاقرته الخمر وانغماسه في الكآبة وميله لتدمير الذات.

المصدر : رويترز