سيدي محمد
 
إذا كانت متطلبات استعمال اللغة العربية في المجالات العلمية والآداب والعلوم الإنسانية تنحصر في نحت المصطلحات الجديدة وتقديمها للمجامع اللغوية لاعتمادها ووضع قواميس لها، فإن مسؤولية نشر وممارسة وإخراج تلك المصطلحات من خبايا المجامع إلى الناس في الحياة العملية تقع على أجهزة الإعلام، فهي وحدها التي تمثل حجر الزاوية في استعمال العربية بشكل كبير وصحيح.
 
ويُطالب كثير من المهتمين بالتنسيق مع رجال المعاجم والمجامع اللغوية لأخذ ما توصل إليه المتخصصون من إجماع حول اعتماد المفردات اللغوية الجديدة، والعمل على غرسها في ملكات العامة بالأسلوب المناسب، لما يتوفر عليه رجال الإعلام والصحافة من وسائل وأجهزة فعالة وخطيرة في مجال الاتصال.
 
وقد كشفت دراسة للباحث المصري أمين سعيد -حول دور القنوات الفضائية في نشر الثقافة العربية- أن علاقتها بالثقافة كانت خارج نطاق لغة الضاد، حيث ركزت في نقاط من أولوياتها على وظيفة الترفيه على حساب وظيفة نقل الواقع وفهمه وتحليله ونقده، وهو ما يصعب معه استخدام اللغة العربية. فالبرامج الفنية تمثل نسبة 60% من ساعات البث بينما تمثل برامج اللغة الواقعية 25% والتقارير الإخبارية 5% من ساعات بث القنوات العربية.
 
كما كان غياب الفنون التي تعتمد النصوص الفصحى الجادة مثل السينما العربية والمسرح والفنون الشعبية والآداب العربية والفنون التشكيلية على شاشات القنوات الفضائية العربية، أهم ظاهرة كشفتها الدراسة.
 
ويظهر ذلك تركيز البرامج الفنية على المسلسلات -التي تستعمل العامية في أغلب الأحيان- بنسبة 20% وبرامج منوعات الفيديو كليب بنسبة 19%، بالإضافة إلى غياب الواقع العربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا ودينيا وعلميا عن خريطة القنوات الفضائية العربية.
 
مسخ لغوي وحضاري
ويلخص الكاتب المصري فهمي هويدي في مقال له عوامل تجمعت في الواقع العربي فمسخته، حتى أصبحت -حسب قوله- أغلبية واجهات أسواقنا، وأسماء مشروعاتنا وعلامات منتجاتنا، إما مكتوبة بحروف لاتينية وتحمل أسماء أجنبية أو بمفردات أجنبية مكتوبة بالحروف العربية.
 
لقد نجت اليابان من التأثير الكثيف الذي تمارسه وسائل الإعلام الغربية على المستهلكين وأذواقهم في شتى الأقطار، وتُعد الشركات اليابانية الكبرى موظفيها الذين ترسلهم لتمثيلها في الخارج أو للتعاقد مع شركات أخرى بتعليمهم لغة البلاد التي سيعملون فيها، وقد كثفت عند ظهور أهمية أسواق أقطار النفط جهودها في تعليم اللغة العربية لمن تبعثهم إلى الوطن العربي، وذلك ما لم تستفد منه الدول العربية في فتح آفاق أوسع للغة بمصاحبة ما تملكه من اقتصاد وموارد تمكنها من إملاء شروطها التي تخدم ثقافتها.
 
عدم إتقان اللغة العربية ودقة استخدامها وصلت مشارف الإعلام العربي الذي يرى كثيرون أنه فشل في نحت مصطلحاته الخاصة حتى في قضايا العرب، ونحا دون وعي غالبا لاستعمال مصطلحات غريبة وأحيانا معادية تسللت إليه في غياب مصطلحاته.
 
ويقول الكاتب الصحفي البريطاني روبرت فيسك إن جهودا دولية تبذل لإخضاع اللغة للقواعد الإسرائيلية، مشيرا في مقال له بصحيفة إندبندنت إلى "إننا كصحفيين يجب أن نقول إن إسرائيل هي التي تقع تحت التهديد الفلسطيني، لا أن نقول إن إسرائيل هي التي تحتل أراضي الفلسطينيين، وعلينا أن نقول إن الفلسطينيين هم المسؤولون عن العنف، وعلينا أن نقول إن الفلسطينيين يقومون برمي أطفالهم ليموتوا".
 
فهل يجب أن ترتبط اللغة العربية بالدولار كما ارتبطت به العملات العربية لتصبح عبئا استهلاكيا لا أكثر؟

المصدر : الجزيرة