فعاليات ثقافية متععدة في سالونيك منها حفل تقديم لكتاب مارك مازاور (الجزيرة-نت)

شادي الأيوبي-أثينا

لاتزال مدينة سالونيك شمالي اليونان تشغل الكتاب والصحفيين بالكتابة عنها فهي ثاني أكبر المدن اليونانية بعد العاصمة أثينا، كما أن هذه المدينة الوادعة -التي تشهد أحداثا ثقافية وسياسية بشكل دوري- كانت لمئات السنين جوهرة البلقان ومركز صراعاتها والمتنفس الأول للتعبير عن التباينات أو التوافق العرقي والثقافي فيها.

ولعل مئات الكتب التي كتبت عن تاريخ المدينة وثقافتها وتحولاتها لن تشفي غليل الباحثين والكتاب والقراء من المزيد من التنقيب في أوراق المدينة القديمة واستخراج المزيد من الصفحات المجهولة، أو إعطائها تفسيرات مختلفة.

ويعد الكاتب والأكاديمي الأميركي مارك مازاور من أهم الباحثين في تاريخ البلقان، حيث أن كتاباته متوازنة ومعتدلة في طرحها للقضايا التاريخية، كما أنه يتناول الأمور بجرأة وموضوعية.

ولعل هذا ما جعل كتابه الأخير تحت عنوان "سالونيك مدينة الأشباح، مسيحيون، مسلمون، يهود" من أهم ما كتب في تاريخ المدينة، فرغم مرور أكثر من شهر على التقديم للنسخة اليونانية من الكتاب، لا تزال النخبة الثقافية تبدي إعجابها للطرح والأسلوب الذي جاء فيه، كما كان عدد المقدمين للكتاب والحضور المهتم فوق المعتاد.

ففي لقاء مع الجزيرة نت قال رئيس تحرير جريدة اليفثيروتيبا اليومية سيرافيم فيدانيذيس ، إن الحضور الكبير لحفلة تقديم الكتاب، يفسر الأهمية التي يحظى بها، وذلك أن الكتب التي سبق أن كتبت عن تاريخ المدينة كانت تتبنى دائما وجهة نظر أحد الأطراف التي كانت تعيش فيها أتراك، يونانيون، يهود.أما كتاب مازاور فقد تبنى طرحا أكاديميا متوازنا رغم أصول المؤلف اليهودية.

وأضاف أن الكاتب الأميركي مازاور احترم خصوصية سالونيك، فقرأ مئات المراجع عن تاريخها بأقلام أطراف متعددة، وقارن بينها وأخذ أكثرها ثقة وموضوعية، مما جعل كتابه متميزا.

وحسب فيدانيذيس فقد كانت سالونيك مدينة كبيرة متعددة الثقافات والأعراق لمئات السنين ثم تحولت إلى مدينة صغيرة، بينما كانت مسيرة العاصمة أثينا معاكسة تماما بكل تفاصيلها.

"
سالونيك كانت تتميز عبر التاريخ بالتنوع العرقي وشهدت أحداثا هامة في إطار الصراعات بالبلقان التي انتهت بسيطرة اليونان عليها

"

تاريخ حافل
سالونيك كانت تتميز عبر التاريخ بالتنوع العرقي وشهدت أحداثا هامة في إطار الصراعات بالبلقان التي انتهت بسيطرة اليونان عليها

فحين سيطر العثمانيون على سالونيك عام 1430م، كانت يونانية أرثوذكسية، وبعد ذلك التاريخ دخلتها الكثير من العناصر البشرية البلقانية، ثم حلت فيها مجموعات كبيرة من اليهود الذين رحلوا من الأندلس.

وأضاف فيدانيذيس أنه لسنوات طويلة طغى العنصر اليهودي على المدينة، مما دفع اليهود إلى الزعم أنهم ساكنوها منذ القدم، وبدأت مناكفات بينهم وبين اليونانيين الأرثوذكس وكان ظاهر الصراع دينيا بينما كان جوهره اقتصاديا.

وقد خرج من سالونيك الكثير من اليهود الذين قادوا الحركات الشيوعية واليسارية، كما شهدت أحداثا واضطرابات مع بداية القرن الماضي.

ومع دخول الجيش اليوناني مدينة سالونيك عام 1912 وجد اليونانيون المدينة تتكلم اليونانية والعثمانية والعبرية والبلغارية، مما جعل الجهود تنصب في اتجاه صبغها بالطابع اليوناني.

ثم إن المدينة أصيبت عام 1917 بحريق هائل أتى على قسم كبير من أحيائها ومبانيها خاصة اليهودية والمسلمة، وقد استغلت السلطات اليونانية ذلك الحريق لإكساب المدينة طابعا أكثر ميلا إلى اليونان وأبعد عن التعددية السائدة حتى ذلك الحين.

وأوضح فيدانيذيس أن مدينة سالونيك بقيت ساحة لأحداث هامة خلال النصف الأول من القرن الماضي، حيث استقبلت المدينة وجوارها ما يقرب من مليوني يوناني تم إجلاؤهم عن تركيا في إطار اتفاقية تبادل السكان بين البلدين، وذلك إثر حملة يونانية عسكرية استهدفت مناطق آسيا الصغرى عام 1920.

وحسب فيدانيذيس فقد كان اليونانيون القادمون من تركيا أكثر تقدما وثقافة وعلما من اليونانيين المحليين، حيث كانت لهم في إسطنبول وحدها جامعتان ومدارس عديدة، كما أن بدء النهضة الصناعية في المدينة ارتبط بقدومهم إليها.

ويتردد أيضا أن سالونيك شهدت خلال الحرب العالمية الثانية وبالتحديد في عام 1943 عمليات قتل لليهود قامت به القوات الألمانية.

واختتم فيدانيذيس حديثه بالإشارة إلى أن الإمبراطوريات عبر التاريخ كانت دائما متعددة الجنسيات والثقافات، حيث كان 250 ألف يوناني يخدمون في الجيش العثماني عند سقوط الدولة العثمانية.

المصدر : الجزيرة