وليد سيف غاب عن 60 عملا فنيا عرضت خلال شهر رمضان المبارك (الجزيرة نت)

توفيق عابد-عمان
 
افتقده الكثيرون في ماراثون رمضان، وغابت عن الشاشة الفضية دراما فنية تأسر القلوب وتوقظ فيها جذوة تاريخ كادت أن تخبو.
 
وليد سيف غاب عن 60 عملا فنيا عرضت خلال الشهر الفضيل, لهذا تساءلت جماهير "التغريبة"، "صقر قريش"، "ملوك الطوائف" عن الأسباب, وهي تساؤلات مشروعة حول مؤلف وباحث أدهش الناس فأحبوه وانتظروه.
 
الجزيرة نت استضافت المبدع الكبير, وكان هذا اللقاء.
 
 لوحظ غيابك عن موسم شهر رمضان وهذا لم نتعود عليه, فماذا هناك؟
 
هناك ظروف شخصية وعملية ومشاريع كتابية أخرى ذات طابع بحثي جعلتني أتأخر في إنجاز العمل الفني الذي كنت بصدد إنجازه، وخشيت إذا قدمته في فترة زمنية قصيرة أن يكون الإنتاج على حساب النوعية ودون توقعات الجمهور، فأردته كالأعمال السابقة أو يتجاوزها وليس أقل من مستواها.
 
فقد احتاج العمل "سقوط غرناطة" إلى بحث طويل وسط أسفار طويلة, فهو يدور حول النهايات في الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس استكمالا لمشروعي السابق الذي بدأته في "صقر قريش"، "ملوك الطوائف" وغطى القرون الأربعة، وكانت خطتي أن أقفز مباشرة إلى الفصل الأخير في تاريخ الأندلس. وقد شرعت في كتابة النص لكنه لن ينته إلا قبل رمضان بثلاثة أشهر، وفضلت ألا يجري إنتاجه تحت ضغط الوقت كيلا يؤثر على النوعية.
 
ويتضمن المسلسل ثلاث وحدات درامية في عمل واحد تعالج كل وحدة فترة أساسية في تاريخ الأندلس في القرون الأربعة الأخيرة، يصل بينها رواية أبي عبد الله الصغير الذي يتحدث من منفاه في المغرب عن المراحل التي سبقت  سقوط غرناطة. ليس فقط ليقول بصورة ضمنية وأحيانا مباشرة إنه لا يتحمل مسؤولية سقوطها أو انتهاء دولة الإسلام والعرب، وإنما ليكشف عن جذور أو مشكلات جوهرية معينة سابقة عليه حصد شوكها.
 
فالأولى وهي مرحلة قيام دولة الموحدين، وهذه تطرح أسئلة كبيرة حول علاقة الدين بالسياسة، لأن الدعوة الموحدية كانت دعوة تنتظم كما تحدث عنها ابن خلدون من خلال العلاقة بين "العصبة والدعوة" فهي دعوة دينية لكنها في الواقع مادتها الأساسية عصبية قبلية، فمحمد بن تامر الذي أنشأها هو في الواقع شخصية غريبة متعددة الأبعاد ومثيرة للجدال، ودعوته تنطوي على كثير من الانحرافات الفكرية والدينية، ومع ذلك استطاع أن يجعلها مظلة وحّد من خلالها القبائل المغربية.
 
وهناك تفاصيل كثيرة تكشف علاقة أبي يعقوب المنصور وفيلسوف العقلانية الإسلامية "ابن رشد" "الحاكم والمحكوم" التي بدأت بالاتفاق وانتهت بالاختلاف، ودخل ابن رشد في محنته الحقيقية بسبب أفكاره الفلسفية وتواطؤ بعض الشيوخ في فترة شهدت أعظم انتصار ضد القوى القشتالية الإسبانية في معركة "أرك".
 
في مسلسلك الجديد تغطي فترة زمنية طويلة فهل ستلجأ للانتقائية وهي كما هو معروف على حساب الحقيقة التاريخية؟
 
ليس هناك عمل درامي أو حتى أكاديمي تاريخي لا يكون فيه قدر من الانتقائية، وفي الوقت ذاته هناك فرق بين الانتقائية المتعسفة المتكلفة التي توجه لخدمة موقف مسبق وبين الانتقائية الفنية، فلا يستطيع أي عمل فني أو درامي تناول كل التفاصيل لكنه يفرض شروطه ومحدداته ومفرداته، كما أن عملية الانتقاء محكومة بمنهجية. وشخصيا أكون حريصا على ألا يكون الانتقاء على حساب الحقيقة التاريخية لا سيما نحن لا نستخدم المادة التاريخية في العمل الدرامي لمجرد التوثيق والتأريخ، وإنما نريد من خلالها تقديم عمل درامي وقيمة فنية ورسالة تتعلق بالراهن الذي نعيشه والمتلقي الذي نستهدفه.
 
يقال إن النجاح المذهل لمسلسل "التغريبة" سبب تأخير نتاجك الفني هذا العام فما صحة ذلك؟
 
هذه إشارة احترمها وأقدرها لأنها تتصل بالحقيقة على نحو ما، فلا شك أن كل عمل ناجح يشكل للكاتب أزمة في أعماله التالية لأنه لا يريد التراجع وأعماله  الجديدة متجاوزة للسابقة أو على الأقل لا تنكفئ وراءها من حيث المستوى النوعي، فالمبدع الذي يحترم إبداعه يقع تحت هذا الضغط النفسي، فكل عمل جديد يقدم إضافات جديدة، ومن وجهة نظري فإن الأعمال السابقة الناجحة وليس التغريبة فقط بقدر ما أضافت إلى سيرتي الإبداعية، فإنها تشكل ضغطا في انتقائي لأعمالي بحيث لا أقدم إلا بما أنا مقتنع به تماما حتى ولو تأخرت.
 
يقال إن مسلسلات رمضان تشبه "طبيخ رمضان" هل من تعليق صريح وواضح حول ما بثته الفضائيات؟
 
لا أحب التعليق على أعمال غيري ولو كنت ناقدا فقط ولست منخرطا في الكتابة والتأليف وعملية التحليل النفسي لكان من السهل عليّ ذلك، وبطبيعة الحال ليّ مواقف نقدية فيما يطرح على الساحة ولكن لا أحب التعليق عليها لأن التعليق قد يكون مجروحا لأنه يأتي من كاتب هو جزء من هذا المشهد الدرامي، لكن بصورة عامة فقد شكلت أعمالنا الدرامية خلال السنوات العشر الأخيرة تقدما نوعيا من حيث مستوى الإنتاج والصورة والتقني والفني، وهذا لا يعفي من القول إن مستوى النصوص ما يزال يعاني كثيرا من جوانب القصور والضعف، فهناك مخرجون وممثلون جيدون.
 
ونقطة الانطلاق الصحيحة في الحقيقة هي في وجود النص الممتاز، فالمخرج الجيد يحتاج إلى نص ممتاز لكي يبني عليه، فيما النص السيئ لا ينقذه مخرج ممتاز، والنص الجيد يمكن أن يدمره مخرج ضعيف، وبالتالي أعول على المشاهد أكثر من النقاد لأن ذائقة المشاهد تتطور بصورة مستمرة وربما أسهمت الأعمال الجيدة في الارتفاع بذائقة الجمهور لقدرته على محاكمة الأعمال التي يشاهدها وإعطائها حقها.
 
واختفاء الجمهور أو إقباله على مشاهدة عمل بذاته ليس شهادة على أنه ممتاز من النواحي الإبداعية المختلفة لأنه قد ينطوي على "حدوتة" أو حكاية جذابة، وقد يكون تفوق هذا العمل من حيث نسبة المشاهدة لضعف المنافسة الأخرى.
 
 لوحظ أن مسلسل "باب الحارة" كان متفوقا ومشاهدا, ففي عمان صنع منع تجول اختياري فما ترى؟
 
لقد تفوق "باب الحارة" على غيره وهذا واقع لا أنكره فقد حظي المسلسل بإقبال هائل من المشاهدين لأنه يتضمن موقفا من الحاضر، فكأن الجمهور يريد القول "لقد افتقدنا القيم من حاضرنا" ويريد استرجاع هذه الصورة من الذاكرة الجمعية القريبة وليست البعيدة، وهذا نجاح نحترمه، فلا نستطيع القول إن المشاهدين مخطئون فهم لم يقبلوا على المسلسل إلا لأنهم وجدوا فيه عناصر جذب دعتهم لمتابعته.
 
ولكن هناك ما يمكن أن يقال دون التقليل أو الطعن في نجاحه أو اتهام الجمهور الذي أقبل عليه بشأن عوامل يمكن دراستها وتحليلها، فربما الحنين للماضي "المؤمثل" الذي تلقى عليه أحيانا بعض السمات المثالية التي تشكل مرجعا يقارن به الواقع، فالإنسان ينتقد الواقع القائم بالمقارنة مع نموذج من الماضي أقرب إلى مزاجه الثقافي والقيمي.
 
هناك حبكة وحدوتة تابعها الجمهور، ولكنني أخشى من الوقوع في "أمثلة" الماضي وإلقاء صورة رومانسية مبالغ فيها لأن لكل فترة إشكاليات ومشاكل والإنسان لا يكون ملائكيا على الدوام، ولكل مرحلة جوانبها السلبية والإيجابية، ولا نستطيع القول إن مجتمع أجدادنا كان مثاليا تماما، والمسلسل لم يظهر الجميع بصورة مثالية على أية حال.
 
 لوحظ غياب المسلسلات الناطقة بالعربية الفصحى بماذا تعلق على ذلك؟
 
إن طبيعة العمل الدرامي تحدد لغة الحوار، فالدراما التاريخية تتطلب استعمال الفصحى، فلا أؤيد استعمالها في العمل الاجتماعي المعاصر لأنه يخرج عن الواقعية ويفقد الشخصيات مصداقيتها، فالناس لا يتحدثون بها في حياتهم اليومية رغم أنني ابن اللغة الفصحى وقد عشت حياتي منتصرا ومتصلا بها وبتراثها.
 
وعندما يتحدث المثقف العربي في قضايا اقتصادية وثقافية واجتماعية يستخدم مصطلحا مفصحا ولهجة غير مطابقة للغة المواطن العادي، فإذا كانت الأعمال الدرامية السائدة هي الاجتماعية فمن الطبيعي أن تكون اللغة المستعملة في الحوار هي اللهجات المحكية.
 
 المتابع لمسلسلات رمضان يلاحظ بسهولة عودة الدراما البدوية فما تفسيرك؟
 
أنا لا أستطيع تقديم تفسير اجتماعي لعودة المسلسلات البدوية والذي يتبادر للذهن أن هذه مسألة تتعلق بالمنتجين أنفسهم الذين يفكرون في استثمار التطور النوعي والتقني الذي طرأ على مستوى الإنتاج التليفزيوني ليعيدوا إنتاج حكاية بعينها، لكنني أرجو ألا نقع في النمطية التي وقعت في السبعينيات لأن التكرار وضعف النصوص يؤديان إلى خلق صور نمطية مكررة.
 

برأيك لماذا لا يتم إنتاج مسلسلات كرتونية عربية للكبار كما يجري في بعض الدول؟
 
ليس هناك ما يمنع من إنتاج مسلسلات كرتونية للكبار ولكن هذا العمل يحتاج لمهارة خاصة، فهوليود تنتج سنويا أفلاما تتقدم أحيانا للمركز الأول من حيث إقبال الجمهور عليها وهي كرتونية "animation" تستخدم التقنيات الحاسوبية الجديدة التي أحدثت تطورا هائلا، وهي موجهة للعائلة وليست للأطفال وبالتالي فهي جذابة وعلى مستوى من الإبهار لا تستطيع الأعمال غير الكرتونية تحقيقها.
 
وفي منطقتنا لم نجد حتى الآن نموذجا يمكن القياس عليه، فالمجتمع العربي قد يتحمل شخصية كسمبسونس الأميركية ويجدها طريفة وظريفة لكن المحددات الاجتماعية والثقافية والقيمية تحول دون ذلك. ليس هناك ما يمنع إذا توفرت الشروط التي تجتذب جمهور العائلة، ولكنني أعتقد أن المسألة صعبة لعدم توفر الكفاءات والمستويات الفنية العالية والمكلفة جدا، وأخشى إذا كـُتبت أعمال مشابهة أن تلتبس بالأعمال الخاصة بالصغار وإن قـُصد بها الكبار.

المصدر : الجزيرة