هل هو نبش بالذاكرة وبحث في الماضي، أم مجرد استجداء لمساعدات أجنبية من مراكز سينمائية مشبوهة؟

يطرح هذا السؤال بقوة في الساحة السينمائية المغربية بعد خروج أكثر من فيلم موضوعه الرئيس اليهود المغاربة.
 
ثلاثة أفلام دفعة واحدة خرجت في توقيت متقارب، المشترك بينها البحث في العلاقة بين المسلمين واليهود بالمغرب، وهجرة اليهود إلى إسرائيل...
الأفلام التي خرج بعضها إلى القاعات السينمائية ولم يتم الانتهاء من البعض الآخر، أثارت الكثير من الجدل والأسئلة حول الظاهرة.
 
أسئلة تبحث في الأسباب، والتوقيت، والمقاربة المستعملة في التعامل مع الموضوع، وأهم من ذلك في الصورة التي تقدمها هذه الأفلام لليهود المغاربة؟ وهل هي صورة أملتها قناعات المخرجين الشخصية والخلاصات التي توصلوا إليها من خلال البحث في الأرشيف الموجود على قلته، أم أن حسابات سياسية وتجارية تحكمت في الموضوع؟
 
المخرج المغربي حسن بن جلون  انتهى من تصوير آخر مشاهد فيلمه الجديد (الحانة). الفيلم يتناول قضية هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل. موضوع ضمن للفيلم دعاية جيدة قبل خروجه إلى القاعات السينمائية.
 
يتناول الحانة ما سماها مخرجه "الحركة الكبرى" لليهود المغاربة، وعنى بها الهجرة المكثفة لليهود المغاربة عقب استقلال المغرب نحو إسرائيل بالدرجة الأولى ونحو بلدان أوروبية مثل كندا وفرنسا بدرجة أقل.
 
مسؤولية المغرب
بن جلون حمل المسؤولين المغاربة مسؤولية ذلك، فهم برأيه الذين "سهلوا هذه الهجرة" معتبرا أنهم ساهموا بذلك في "بناء القوة العلمية والبشرية لإسرائيل".
 
وبالأرقام يقول إن "256 ألف يهودي مغربي هاجروا إلى إسرائيل بعدما أنفقت عليهم مبالغ ضخمة لتكوينهم وتأهيلهم، واستقبلتهم إسرائيل التي لم تنفق عليهم ولا درهما واحدا".
 
"
المخرج محمد العسلي يتهم مخرجة فيلم ماروك بأنها صاحبة الرغبة في إشاعة ثقافة الهيمنة الغربية مقابل الدعم المادي والإعلامي الذي تتلقاه من جهات أجنبية
"
وأوضح المخرج لوسائل الإعلام أنه أراد بحث أبعاد القضية الإنسانية والاجتماعية والأيديولوجية لهذه الهجرة الجماعية، بل إنها بالنسبة إليه تتعلق بكشف الحقيقة أمام الأجيال الصاعدة التي لم تعش تلك المرحلة لكنها تعيش تداعياتها، ولا تعرف منها إلا أن وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس الذي تولى تدمير لبنان قبل شهرين مغربي الجنسية، ولد في المغرب وعاش فيه سنوات عمره الأولى، ويتحدث الدارجة المغربية بطلاقة.
 
وإذا كانت معالجة بن جلون للموضوع تاريخية أكثر، فإن مخرجين آخرين نحوا منحى مختلفا تماما. ليلى المراكشي مخرجة شابة عمرها ثلاثين سنة، أخرجت فيلما أسمته (ماروك) أي المغرب باللغة الفرنسية. وأسندت بطولته لشاب يهودي اسمه يوري.
 
وهو يحكي قصة حب بين الشاب اليهودي وفتاة مغربية من أسرة أرستقراطية، وفي ثناياه نقاشات حول الدين، وعلاقة اليهود بالمسلمين. في إحدى اللقطات، يعلق اليهودي نجمة داود في عنق الفتاة المسلمة "كي لا تزعجها بعد الآن".
 
والفيلم بنظر مخرجته دعوة إلى التسامح والتعايش، لكنه أثار انتقادات شديدة لدى الكثير من المشاهدين والنقاد  الذين اعتبروا أن الفيلم قدم صورة اليهودي المسالم العفيف على حساب المسلم العنيف المتطرف فضلا عن تضمنه لمشاهد جنسية اعتبرها البعض فاضحة.
 
رأي العسلي
من جهته اتهم صاحب فيلم (الملائكة لا تحلق فوق الدار البيضاء) المخرج محمد العسلي (ماروك) باستبطان "خلفية صهيونية" واتهام صاحبته بالرغبة في إشاعة ثقافة الهيمنة الغربية مقابل الدعم المادي والإعلامي الذي تتلقاه من جهات أجنبية.
 
(وداعا أيتها الأمهات) فيلم آخر تناول الظاهرة نفسها: هجرة اليهود المغاربة إلى إسرائيل. مخرج الفيلم  محمد إسماعيل اعترف بأن كاتبة السيناريو هي يهودية مغربية.
 
وقال إسماعيل عن فيلمه الذي لم يخرج بعد إلى القاعات السينمائية، إنه يتناول موضوع تعايش عائلتين مغربيتين واحدة يهودية والأخرى  مسلمة بأحد أحياء مدينة الدار البيضاء في ستينيات القرن الماضي.
 
ويحكي قصة رعاية أسرة مسلمة لامرأة يهودية وابنتها، بعد أن غرق زوجها في البحر أثناء محاولة هجرته  إلى إسرائيل عن طريق واحدة من وكالات التهجير الصهيونية.
 
يقوم بالدور الرئيسي في الفيلم الممثل المغربي اليهودي سيمون الباز. ويرى مخرجه أن الفيلم هو "رسالة سلام". لكن النقاد كثيرا ما يتساءلون عن طبيعة رسالة السلام هذه، وما إذا كانت دعوة إلى القبول بتسويات تخدم الإسرائيليين أولا وأخيرا.
 
وانتقلت ظاهرة تناول "اليهود" من السينما إلى التلفزيون, ففيلم (علاش لا) (لم لا) لمخرجه محمد إسماعيل أيضا، تناول هو الآخر "تعايش" اليهود والمسلمين في المغرب، في شخصي رشا اليهودية وعنبر المسلم.
 
ويرى بعض النقاد أن توظيف بعض المخرجين لشخصيات يهودية أو تناول قضايا متعلقة باليهود، لا يعدو أن يكون مجرد محاولة لاستجداء المساعدات الأجنبية خاصة الإسرائيلية منها، خاصة في ظل هيمنة اللوبي الصهيوني على قطاع السينما العالمي.
 
لكن البعض يدافع على هذا التوجه الجديد ويعتبر أنه رجوع للذاكرة واسترجاع الأحداث مهمة في تاريخ المغرب، خاصة وأن أصول مجموعة كبيرة من قيادات إسرائيل مغربية.
 
لكن آخرين يعتبرون أن المسألة لا تعدو كونها موجة جديدة، شأنها شأن موجات سابقة تطرقت للهجرة السرية والاعتقال السياسي وغيرهما.
_________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة