المسجد الكبير في بئر السبع يعود للسنوات الأخيرة من العهد العثماني (الجزيرة نت)

وديع عواودة-حيفا

في مثل هذه الأيام من عام 1906 شيد العثمانيون المسجد الكبير بمدينة بئر السبع عاصمة جنوب فلسطين، لكن أحدا لن يحتفل بهذه المئوية كونه أفنى نصف عمره أسيرا مكبلا منذ النكبة يحرم المسلمون من التواصل معه والصلاة فيه بحجة "الأمن".

منذ نهاية السبعينيات يصارع فلسطينيو 48 لإعادة فتح المسجد الأنيق الذي حولته بلدية بئر السبع إلى محكمة عسكرية ثم متحف, لتغلق أبوابه في وجه المصلين, وتفتحها أمام الشذاذ على أنواعهم.

وبعد أربع سنوات من تقديم جهات فلسطينية حقوقية التماسا لفتحه للصلاة يتوقع أن تبت المحكمة الإسرائيلية العليا هذا الأسبوع بمصيره. وضمن التلخيصات النهائية اتفقت اللجنة الشعبية في بئر السبع وجمعيات أهلية على تقديم موقف نهائي للمحكمة يتمسك بإعادة فتحه ورفض التسوية المطروحة لتحويله لمركز ثقافي.

خمسة آلاف فلسطيني
يشار إلى أن بئر السبع هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في منطقة النقب داخل أراضي 48 ويسكنها اليوم نحو خمسة آلاف من العرب مقابل 180 ألف يهودي بعدة أحياء بينها الأحياء العربية التي هجر أهلها عام 48.

وكان المركز الحقوقي "عدالة" طالب في التماسه بإعادة فتح المسجد للصلاة، مشيرا إلى وجود كنيس واحد لكل 700 مواطن يهودي بالمدينة، فيما يحرم المواطنون العرب مع عشرات الآلاف من سكان النقب من الصلاة بالمسجد.

حملة عنصرية
وكان نائب رئيس بلدية بئر السبع إيلي بوكير اليهودي ذي الأصل التونسي جدد بالأيام الأخيرة حملته العنصرية الدموية ضد مساعي العربية من أجل افتتاح المسجد, مهددا بإراقة الدماء إن حصل ذلك, وأضاف "جئت من تونس عندما كان عمري ستة أعوام وما زال ضجيج الآذان يقض مضاجعي وهنا توقعنا أن نتخلص من أصوات المؤذنين ومن الطرابيش..".

وكان بوكير قاد حملة مشابهة نهاية التسعينيات لقطع الطريق أمام إعادة المسجد لسابق عهده, قام خلالها برفقة متطرفين بسرقة أحذية المصلين الذين كانوا يؤدون صلاة الجماعة قبالة المكان ثم في الجمعة التالية نثر روث البقر في باحة المسجد لمنع المصلين من أداء الصلاة.

وقال رئيس جمعية "الأقصى" لحماية المقدسات الشيخ كامل ريان في تصريح للجزيرة نت إن المكان سيظل مسجدا مهما حرمنا لصوص الجغرافيا والتاريخ من التعبد فيه وبإذن الله سنعود إليه ونقيم فيه الصلوات.. وسنبقى أوفياء للمسجد الكبير بعاصمة جنوب فلسطين ولن نقبل بأي قرار سوى بإعادته لأصحابه فالمركز الثقافي المقترح لا يستوي مع الهدف الذي أقيم من أجله.

مساجدنا وكنسهم
ولفت ريان إلى أحوال الكنس التي لا تزال محفوظة ومصونة في تونس وسوريا والعراق والمغرب وغيرها، وقال إنه يترك للناس تخيل الضجة العالمية التي كانت ستنشب لو حرم اليهود من الصلاة في أحد كنسهم.

وبدأت السلطات العثمانية تشييد المسجد الكبير في بئر السبع عام 1906 في المدينة التي سبق وأمروا ببنائها مركزا للحكم والحضارة في صحراء النقب.

وطفا الصراع على المسجد إلى السطح في نهاية سبعينيات القرن الماضي عندما طالب فلسطينيو النقب بإعادة افتتاحه ليعود للهدف الذي أقيم من أجله كأحد بيوت الله.

وأشار الشيخ محمد الشامي (85 عاما) المهجر من المدينة والمقيم بقرية مهجرة وأحد المشاركين في الالتماس القضائي ومن رواد المسجد قبل النكبة، إلى أن قشعريرة قوية تسري بعروقه وتهز أعماقه حينما يمر بجانب المكان ويرى المسجد محاصرا وأسيرا.

وأضاف "في كل مرة أعود إلى مسقط رأسي ويقع ناظري على هذا المسجد أصعق من جديد فهو يذكرني بطفولتي المصعوقة يوم رحلنا من بيوتنا حفاة وعراة تحت الشمس الحارقة مثلما يفجر داخلي ينابيع من الحنين إلى تلك الفترة يوم كنت أرافق والدي لأداء الصلاة في ذاك المسجد الأنيق".
ـــــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة