د. عبد الله محمد صالح باشراحيل
حوار/ سيدي محمد
الشاعر السعودي الدكتور عبد الله باشراحيل صاحب مشروع شعري ثقافي من خلال ما أنتجه من دواوين وما يقوم به من دعم للثقافة والفكر سواء عن طريق جائزة باشراحيل للإبداع الثقافي أو ما يقدمه من أطروحات ثقافية نقدية، تحدث إلى الجزيرة نت في حوار تطرق فيه إلى إشكالية الأصالة والحداثة في الشعر، وهاجم فيه بعض الرموز الشعرية العربية مثيرا كعادته حراكا وزوبعة لا غنى للساحة الشعرية غنها والتي كان آخرها ما شهدته الملاحق الثقافية السعودية, كما تحدث عن الواقع الشعري من خلال آخر مشاركة له مع عدد من الشعراء العرب في مهرجان المتنبي بسويسرا.
 

كيف كانت مشاركتكم بمهرجان المتنبي الأخير الذي انعقد قبل أسابيع بسويسرا؟
 
حقيقة بادئ ذي بدء لا بد أن أقول إن مهرجان المتنبي الذي أقيم مؤخرا في سويسرا بدعوة من الشاعر منظم المهرجان الدكتور علي الشلاه يعبر بالفعل عن تواصل حضاري ثقافي بين الأمم والثقافات ويعطي انطباعا بأن أمتنا لا تزال بخير من خلال التوجهات التي يقوم بها الأفراد لتشكيل الأطر الجديدة من خلال هذا التفاعل الإبداعي الحي.
 
بالنسبة للحضور الذي رأيناه يبشر بخير إلى حد ما بالنسبة للشعر العربي، أما بالنسبة للشعر الغربي فقد لفت انتباهي قوة الحضور والتجارب التي استمعنا إليها حيث لاحظت أن هناك اهتماما بكل اتجاهات الشعر وفي اعتقادي أن التواصل يجب أن يكون قويا من طرفنا للاطلاع على هذه التجارب.
 
هل تنوعت المشاركات في المهرجان؟
 
في الحقيقة الشعر الذي مثل في المهرجان كان ينحو نحو قصيدة النثر ولم أجد من الشعراء من قدم ما يدعو إلى الاهتمام لبساطة الشعر الذي ألقي فقد كان الشعراء أغلبهم حداثيون ما عدا صوتي أنا الذي أمثل ما أسميه الوجه الشعري العربي الحقيقي من عمود وتفعيلة, كان الكل يصب في قالب واحد أي ما أسماه محيي الدين اللاذقاني "شعر السردين" من خلال الإغراق في الأشكال الغربية، وأعتقد أنهم للأسف باحثون عن  فرصة ليدخلوا من خلالها إلى منظمات عالمية غربية بحثا عن موطئ قدم.
 
ألا ترى أن الشعر العمودي تراجع كثيرا أمام موجة قصيدة النثر وحتى التفعيلة إلى حد ما؟
 
في رأيي العكس تماما، قصيدة النثر أصبحت تشهد تراجعا وتقهقرا وليس أدل على ذلك من تراجع الشاعرة نازك الملائكة عنه وتبرئها منه وكذلك درويش, وعلينا أن نعرف هنا أن النثر نثر والشعر هو الشعر فلا بد من تسمية الأسماء بأسمائها لا أن ننخرط في الحداثة الغربية ونذوب فيها دون وعي, وأعدك أنه بعد 10 سنوات لن تجد شيئا يسمى بقصيدة النثر فلقد بدأ الوعي يدب في الذائقة العربية ليرجع كل شيء إلى أصله لأن الشعر العربي هو الذاكرة وهو ما ذكره وتحدث عنه وخلده النص القرآني في شكله الموزون المقفى وكل تاريخنا هو هذا الشعر فلا يجوز التلاعب بالشكل.
 
"
شعر الحداثيين في مهرجان المتنبي بسويسرا كان كله يصب في قالب واحد هو ما سماه محيي الدين اللاذقاني "شعر السردين" عبر الإغراق في الأشكال الغربية
"
وهذا لا يمنع من أن يكون هناك نثر أجمل من الشعر وفي تاريخنا العربي هناك نماذج رائعة مثل قس بن ساعدة الذي تفوق نثره على نظرائه من الشعراء المعاصرين له, ومن المعاصرين نجد أن مصطفى صادق الرافعي اتجه إلى النثر بعد أن فشل في الشعر ولم يضره ذلك بل قدم لنا جواهر من الكلمات والمعاني لا يزال طلاب الأدب يغرفون منها.
 
لكن هناك من يقول إن الشعر يجب أن لا يحكم بعروض أو تفعيلة؟
 
لماذا نخلط الأوراق؟ جزى الله الذين عبثوا بهذه اللغة جزاء سيئا لأنهم أساؤوا لهذه الأمة, يجب إعادة التفكير في قضايانا الأدبية والفلسفية حتى نستطيع أن نواكب هذا العصر الذي تجاوز نفسه، وللأسف الشديد هناك منظمات ترعى هذه الأنواع الأدبية محاولة من خلال ذلك العبث بتراثنا الشعري مستغلة أصواتا صنعتها هي وأحدد هنا أسماء مثل يوسف الخال والقعيد ومحمود درويش الذي لا أعتبره في الحقيقة شاعرا وإنما قد يقال عنه إنه كاتب.
محمود درويش (الجزيرة)

ويكفي هنا للاستدلال على تفاهة الوعي العربي ما قام به أخوة في البحرين من احتفاء بدرويش حيث زفوه من المطار إلى مكان إقامته بالفندق مع أنه لا يقيم وزنا لهم. فمن هو درويش؟ وماذا قدم للشعر العربي؟ إنني أتحدى أن أجد من يحفظ له بيتا ثابتا في الذاكرة الشعرية يردد على الأقل في السنوات الأخيرة, ورحم الله المتنبي.
 
هل تتهمهم بالعمالة؟
 
هذه النماذج من الشعراء حاولت أن تقصر الشعر لمصالحها ولمصالح أعداء الأمة العربية والإسلامية وشعرهم لا قضية فيه يقوم على مجموعة تتخذ من النساء والإعلاميين خاصة أصحاب الملاحق الثقافية في الصحف والمواقع العربية وسيلة لتلميع صورهم وليرضى عنهم دهاقنة الصهاينة.
 
هناك من يصفون أنفسهم بأنهم حداثيون وإذا علمنا أن الحضارة الغربية لها هويتها وكذلك حضارتنا فعلى كل أن ينطلق من هويته لا أن يكون صورة منسوخة لأن ذلك مذمة وسبا, يجب أن نكون صورة من واقعنا وبيئتنا الأخلاقية وليس معنى ذلك أننا لسنا حداثيين ونحن الذين عرفنا الحداثة قبل الغرب بعد أن تراجع عنها كثير من أدبائهم أولهم إليوت.
 
ما هي الحداثة في رأيك شعريا؟
 
إنني أنظر إلى الحداثة على أنها رسم للواقع بصورة عصرية دون العبث بالأشكال الأدبية، لقد كان فولتير يقول "إذا أردت أن تتثقف فاذهب إلى الشرق" ويقصد بالشرق هنا الثقافة العربية الإسلامية, نحن أمة شعر عرفنا بذلك نؤثر ونتأثر, لا محالة, لكن دون إلغاء تاريخنا لمجرد أن أعداءنا يريدون ذلك.
 
وأنا لدي تجربة طويلة في كشف من يسمون أنفسهم شعراء الحداثة ومن يتسلقون على أكتاف هذه الثقافة ممتطين عبارة الحداثة  طريقا للوصول, بل إنهم تطوروا أكثر من ذلك إلى جعل الإلحاد -أيضا- وشتم الذات الإلهية مدخلا لهم من باب حرية الرأي وكأنهم ند للخالق سبحانه, مع العلم أن بعضهم تراجع عن موقفه حينما أصيب  بانتكاسة عدم منحه جائزة نوبل وعدم تقديره من قبل الغرب مثل أدونيس ولعل ما يشفع لأدونيس أنه بدأ كلاسيكيا ولا يزال يندح من تراثنا العربي مع أنني أقول إنه مفكر وليس شاعرا إلا في "ما قالت الأرض" أما درويش فلا قائل بشعره.
"
أدونيس مفكر وليس شاعرا إلا في "ما قالت الأرض" أما درويش فلا قائل بشعره
"
 
ما هي رسالتك إلى من ذكرتهم؟
 
على محمود درويش وآخرين أن يراجعوا ضمائرهم وأن يتقوا الله في هذه الأمة التي يكتبون بلغتها, هذه الأمة التي تكالبت عليها المحن وأن يكتبوا شعرا مفهوما إذا كان بمقدروهم ذلك, إن مجتمعاتنا العربية أنصاف متعلمين لا يقرؤون قراءة صحيحة فلماذا هذه الطلسمات والمتاهات اللغوية ولا أدري هل السامري بعث عندنا من جديد لنضيع في التيه أربعين سنة مع هؤلاء الذين لا يجدون أنفسهم في الشعر العربي.
 
كما أدعو هنا لإنشاء محكمة للأدب والفن وكل من يخرج عن الأطر المتعارف عليها لدينا يجب أن تصدر عليه أحكام ويجب أن لا نأخذ من ثقافة أخرى إلا ما يخدم قالب ثقافتنا لا هويتها.
_____________

المصدر : الجزيرة