حينما التقيت بها في مقهى مهرجان الدوحة الثقافي قبل سنة تقريبا مع رفقة "جماعة قلق الشعرية" كانت تقرأ قصائدها التي يغلب عليها طابع "الومضة" بألم وحسرة.. كانت قلقة مثل النص قبل الولادة وصامدة صمود النص بعد الاكتمال حتى إن قصائد الحب التي كانت تلقيها كلها كانت تلامس الأرض.
 
أذكر أنه حينما سألها زميل شاعر عن سبب اختيارها لبعض القصائد القصيرة كانت الإجابة سريعة وصادقة "أكتب لأنني أرصد ما يحدث في بلدي وحاستي الشعرية تقول إنه سينقشع عما قريب كالبرق لأن العراق أقوى من كل الظروف".
 
لم أر عشيقة وفية لعشيق مثخن بالجراح يتخبط في دمه مثل وفاء أطوار لحبها الأول والأخير بلدها.. كانت تمجده في كل صورة شعرية وترسمه بريشة المحب وبجميع ألوان أمنياتها وبسمات شفاهها.. كانت لا تفتأ تذرف الدموع كلما تذكرت سقوط بغداد يوم التاسع من إبريل/نيسان وكنت أستثيرعاطفتها ودموعها بتلك النقطة لا لشيء سوى لأرى سماء سامراء تمطر أملا أخضر يشعرني بأن العراق بخير ما دام هناك من يبكي عليه.

ولمن لا يعرف الجانب الآخر -أيضا- أقول لقد كانت أطوار بهجت شاعرة طبعت ديوانها الأول عام 1999 تحت عنوان "غوايات البنفسج" وكانت بصدد إصدار الديوان الثاني الذي قالت لي إنها ستهديه إلى العراق لولا أن عقول وقلوب كل مشتقات الإسمنت التي لا تمتلك الإحساس.. والأيدي الملطخة بدماء القهر والعجز والبؤس والعقد التاريخية أبت إلا أن تكتب -تلك البريئة- قصيدتها الأخيرة دما على خريطة العراق المعلقة على صدرها مثل حدائق بابل, وصدق نزار "فهل أمة إلا نحن تغتال القصيدة وهل من أمة إلا نحن تغتال البلابل".
 
بين الموت والعراق خيطان متصلان لا يفصلهما سوى وداع مفاجئ.. كنا كلما نظرنا في عينيها رأينا زورقا يلوح من بعيد شراعه ممتد بين الموج ودموع مساء دجلة.. كنا نحس أن العراق هو تلك الفتاة التي تلعب بمرطها.. وتداعبه الريح لم نكن نظن أنها ستهدأ كموجة خامدة على شاطئ الفرات  الذي كتبت قصائدها الأولى في غوايات بنفسجه.
_____________

المصدر : الجزيرة