عامر الكبيسي

ما إن تقترب عقارب الساعة من الواحدة ظهرا بتوقيت بغداد، حتى يستعد معظم سجناء أبو غريب لسماع البرنامج الإذاعي اليومي الذي تبثه إذاعة دار السلام التابعة للحزب الإسلامي العراقي، والمسمى "وصل سلامك".

الجهة المقصودة من هذا البرنامج هي السجناء أنفسهم الذين يقبعون في دهاليز أبو غريب بعيدا عن أعين العالم، سوى صور قليلة تظهر عمق مأساتهم، أما قاصدوه فهم ذوو المعتقلين في هذا السجن السيئ الصيت.

إذ يقوم معظم أهالي المعتقلين بالاتصال بهذا البرنامج الذي يسمعه المعتقلون بشكل يومي، ليوصلوا لهم السلام ولإبلاغهم بالعديد من الأمور من ضمنها مواعيد الزيارات القادمة، أو حدوث بعض المتغيرات في شؤون العائلة التي يغيب عنها المعتقلون كحالات الزواج أو الولادات الجديدة، أما حالات الوفاة فغالبا ما يسكت عنها لحين خروج المعتقلين خوفا على مشاعرهم داخل السجن.

مقدم البرنامج هو علي الربيعي الذي يطلق عليه المعتقلون وذووهم اسم "أبو المعتقلين" لكثرة اهتمامه بهم وتكوين علاقات اجتماعية مع معظمهم عند الإفراج عنهم، لكن "أبو المعتقلين" اعتقل هو الآخر من داره الكائنة في منطقة المحمودية جنوب بغداد من قبل عناصر ترتدي زي الشرطة العراقية، ليصبح برنامجه "وصل سلامك" يقدم من قبل آخرين تنتدبهم إدارة الإذاعة، مع مئات الأسئلة من قبل المستمعين والمتصلين عن المصير المجهول للمقدم الأصلي علي الربيعي أو "أبو المعتقلين".

وقال علي الربيعي للجزيرة نت قبل اعتقاله بأيام "كانت بداية البرنامج عندما أقام الحزب الإسلامي العراقي اعتصاما ضخما أمام سجن أبو غريب استمر أربعة أيام، وكان المعتصمون يكبرون بصوت عالٍ ويكبر معهم المعتقلون من داخل السجن، وهذا قدح عندنا فكرة إمكانية التواصل معهم".

وأوضح أنهم قاموا في إذاعة دار السلام بتدشين البرنامج الذي يقوم على فكرة إعانة المعتقلين في سجونهم والتواصل معهم عن طريق ذويهم، لإبلاغهم السلام ولتطمينهم وتصبيرهم على ما هم فيه.

وبعد مرور أكثر من سنتين على عمر البرنامج لا تكاد الآن ثلاث ساعات يوميا تكفي لاستيعاب مئات الاتصالات من ذوي المعتقلين أو الكثير من الرسائل عن طريق البريد الإلكتروني، التي يحاول معدو البرنامج اختصارها بشكل سريع وتوصيلها إلى المعتقلين.

وأضاف الربيعي عن تسميته بـ"أبو المعتقلين" "أنا لا أعرف متى بدأت هذه التسمية، لكنني فوجئت بعد مرور عام على تقديم الحلقات باختيار لقب لي أتشرف به كثيرا، وأعتقد أني لست أهلا له وهو أبو المعتقلين".

ويقول عبد الكريم السامرائي وهو أحد المفرج عنهم من أبو غريب للجزيرة نت، "كان الضباط الأميركيون في السجن يستغربون من الهدوء الذي يعم السجن عند عرض البرنامج، حيث ينصرف كل السجناء في قسم الكمبات الذي كنت فيه إلى المذياع الصغير".

وأشار إلى أن البرنامج يمكنهم من سماع سلام أهلهم أو أهل رفاقهم في المعتقل، معتبرا أن هذه الساعات كانت من أجمل الساعات في السجن، وإن كانت لا تخلو من حزن عميق يلف السجناء لأنهم تمكنوا فقط من سماع أم تبكي، أو زوجة ثكلى تندب حظها وترجو من الله خروج زوجها.

برنامج "وصل سلامك" لا يخلو من انتقادات واسعة للأميركيين وقوات الشرطة والجيش العراقيين، وخاصة من قبل النساء ومعظمهن من زوجات أو أمهات المعتقلين، إذ يشرحن طريقة الاعتقال ومدى الترويع الذي يصاحبه أو الطريقة التي يؤخذ بها المعتقلون.

هذا بالإضافة إلى عاطفة جياشة من قبل المتصلين تمتزج ببكاء حار يطول، خاصة المقطع الذي يوضع كمقدمة للبرنامج، وفيه طفلة بعمر أربع سنوات تتصل بالبرنامج وتخاطب أبيها المعتقل فتقول "بابا أتى العيد ولم تأتِ إلينا، بابا ماما اشترت لي ملابس جميلة، بابا أنا أنتظرك".

المصدر : الجزيرة