(حوار الحفاة والعقارب.. دفاعا عن المقاومة) كتاب جديد للكاتب اللبناني نصري الصايغ يروي فيه حكاية الحرب والهجرة ويدافع عن المقاومة.

 
الصايغ وهو الشاعر والكاتب والمربي ورجل الفكر والمحلل السياسي والصحافي يضع القارئ من الصفحات الأولى لكتابه الممتع المؤثر وسط "ذوب" شعري حار رائع من الوجداني والفكري والسياسي دون أن يتخلى عن سمة الحوار العقلي الذي ينتج عن عقل متمكن.

أجواء الصايغ هذه تجعل القارئ أسير متعة فنية أخاذة بما فيها من محزن وما يشبه ثم الأمل كذلك ومن كشف عن حقائق كانت كامنة أو غلفها النسيان أو التناسي المقصود.

هذه المتعة النادرة التحقق في كثير من الكتابات تظلم الكاتب إذ تجعلنا نعيش أجواءها لتأتي هي في الدرجة الأولى دون تركيز منصف على النقاش "السياسي" البارد أو الذي يفترض أن يكون باردا وهو ليس كذلك تماما عند الصايغ، وقد ننتبه أحيانا إلى أن كثيرا من هذا النقاش الفكري قد "ذاب" متحولا إلى وجداني شعري أي أضحى عنصرا من هذه المتعة المتعددة العناصر.

أما الإهداء فيشرح كثيرا عن الكاتب حيث يقول فيه "إلى أنطون سعادة الذي أرشدني إلى السيد حسن نصر الله وخلفه مشيت".

وكان الصايغ الذي عرف عنه أنه توقف عن العمل الحزبي منذ مدة من الزمن قد تولى قبل سنوات مسؤولية ثقافية في الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه سعادة.

نرافق الصايغ ابتداء من الصفحة الأولى فيروي لنا قصص الموت والعذاب المختلفة أي قصص الحروب فيقول "ولدت في الحرب العالمية الثانية. زوجتي ولدت في السادس من أغسطس/ آب عندما كانت هيروشيما تستعد لدينونة القنبلة الذرية، الذي ماتت أخته على كتفيه جوعا" في بلدته مشغرة خلال المجاعة في الحرب العالمية الأولى.

وأضاف "كان يتسول لقمة، قال لي: لم أسرق في حياتي إلا خبزا، ورث من سوق مشغرة كلبا صادقه ثم باعه كي لا يموت من تبقى من العائلة جوعا".

وقال متحدثا عن سلسلة الأسى وعن واقع يشبه بعض أفجع نتاج الروائيين وأجواء فواجع قصيدة "أخي" لميخائيل نعيمة "إنها الحرب جدي أخذوه عنوة إلى سفر برلك، لم يكن معه شراء حريته وهربه، أخذوه لكنه وحيدا عاد من الجبهة التركية إلى أضنة فإلى حلب ثم إلى بعلبك ومنها إلى مشغرة سيرا على الأقدام".

وتابع قائلا "كانت جدتي قد ماتت، أخذوها الى الكرنتينا المؤقتة في قعر الوادي، صبوا عليها الكلس، كانت قد تلوثت بداء الجدري بعدما حولتها الحرب وسفر برلك زوجها إلى "غسّالة" متنقلة بين البيوت.

ويضيف الصايغ المسيحي الكاثوليكي "إنها الحرب.. أولادي ولدوا قبل الحرب "الأهلية اللبنانية" بقليل، وفي معمعات القتال هربنا من بيت إلى بيت، تهجرنا من كل المناطق إلى كل المناطق ومن كل المذاهب والطوائف لم يعد لنا مكان يؤوينا. واختبأت في لبنان مع عائلتي في أرض فرنسية انتقلت بعدها إلى منفى جميل حيث الحرب تجري فقط على شاشات التلفزيون والسينما.

ويذكر أن أهله في كندا "تراب أوتاوا حضن جسد أبي وذاكرة أمي ولي إخوة وأخوات يتشوقون إلى بلدهم ولا يعودون، انتهى بهم مطاف التهجير إلى الإقامة الدائمة في أفراح الغربة".

وببلاغة نفاذة يزيح حجبا وضعها اللبناني عمدا أو دون عمد على ذاكرته كي يستطيع الاستمرار في الحياة فيقول "بعض عائلتي وأقاربي ما زالوا يرقدون في مقابر جماعية معروفة جدا، بعض أصدقائي ورفاقي لم يعودوا بعدما خطفوهم وربما قتلوهم. ربما كان يجب أن أكون مقتولا لكن ذلك لم يحدث وأنا لم أفعل، إنها الحرب مرارا وتكرارا، إنها الهواء الذي عرفته أبا عن جد وأورثه لأولادي وأحفادي".

وتحدث عن قدوم حفيدته إلى لبنان بعد حرب إسرائيل عليه في يوليو/ تموز الماضي، قائلا لإيناس العنيدة أقول كتبت لك باقة سماء في قصائد لكنني لا أستطيع أن أمنع عنك الحرب. وقبل قدومك السماوي إلينا كانت بيروت مأوى الحزن والأمل، والجنوب يقاتل عدوا وإسرائيل تدرب أسلحتها الجديدة وتتدرب على الكارثة تماما كما كنا نفعل من قبل".  

وتابع ممهدا لنظريته التي تدعو وبمنطق مؤثر ودرجة كبيرة من الإقناع وباطلاع ودراية إلى أن المقاومة يجب أن تكون بديلا عن الجيوش فقال "إنها الحرب تاريخنا الوحيد إنها الهزائم حقائقنا الأكيدة لذلك قررت أن أكتب عن هذا الحيوان الشرس. كان علي أن أعرف لماذا كنا نذهب إلى الحروب لنحصي خسائرنا كنا نتشبث بجيوشنا المهزومة ولما ذهبنا إلى المقاومة لنحصي أرواحنا الناصعة كنا نتهافت بسرعة لا أخلاقية مطالبين بنزع سلاحها. كان علي أن أتهم ما هذا التفاني في تبني الهزيمة وتعليق المقاومة الناجحة على منصة الإعدام ولقد عرفت ولم أكن وحيدا في العارفين".

وجاء كتاب الصايغ في نحو 200 صفحة من القطع المتوسط وصدر عن دار "رياض الريس للكتب والنشر" بغلاف من تصميم محمد حمادة. وللصايغ ما لا يقل عن 11 كتابا بالعربية والفرنسية بين شعر وأبحاث ودراسات وسياسة.

المصدر : رويترز