أصبح لدى المعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلية تجربة فريدة، فهم رغم مرارة الاعتقال وعمق التجربة وضيق المكان وعتمته يعيشون بنفسية خاصة وبيئة خصبة تخرج الإبداع والتميز، فتحولت ظلمات سجنهم إلى منارة علم وثقافة قلما تجد مثلها، كما أنها أنجبت تراثا أدبيا شعرا ونثرا ومسرحا وقصة، حتى أصبح الكثير من الكتاب والمثقفين يدعون إلى جمع هذا التراث الفلسطيني الحي وبثه بدل أن يبقى حبيس السجون.
 
شعر يلهب الانتفاضة
في البداية يؤكد فايز أبو شمالة صاحب كتاب (السجن في الشعر الفلسطيني) مواكبة الحركة الأدبية في السجون لتطور الحياة الثقافية في المجتمع الفلسطيني، فيقول "مثّل الشعر حالة راقية من الإبداع الفني وراء القضبان، ولاسيما في مرحلة الانتفاضة الأولى، حيث أسهم شعر الأسرى في تعزيز الروح الوطنية وبث الغضب والثورة في عروق الشعب بما حمله من تطور وتحدٍّ وانتماء خالص للشعب والقضية".
 
ويضيف "تميز شعر السجناء بالاتزان والمسؤولية وعمق التفكير وصدق المشاعر وقوة الألفاظ وبساطتها في محاكاة الواقع وحياة المجتمع الفلسطيني بعيدا عن الإسفاف وبعيدا عن الضعف الفني العام الذي ميز بعض شعر الانتفاضة الأولى".
 
ويرى في حديث للجزيرة نت أن "هناك من أبدع داخل سجون الاحتلال فقط، مثل: محمود الغرباوي، وجبر وشاح، وغيرهم؛ حتى إننا لا نجد لهم أشعارا بعد خروجهم من السجن، فهذا الأدب بحاجة ماسة للجمع والتدوين حتى لا ينسى ويترك".


 
أمثلة حية
وليد الهودلي الذي يراه النقاد عميدا للأدب الأسير في المعتقلات الإسرائيلية يعتبر رائداً في تدوين تجربة الاعتقال والأسر والمعاناة في سجون الاحتلال، وقد أصدر مؤلفات عديدة ذات قيمة تتجسد فيها حقيقة الانتماء للتجربة والإبداع من خلف قضبان السجون وغياهب الزنازين والمعتقلات.
 
ويقول الهودلي للجزيرة نت "يعيش المعتقل الفلسطيني بنفسية خاصة وبيئة خصبة تخرج الإبداع والتميز، فمرارة الاعتقال تعطيه فكرا متميزا وقلما جسورا وعطاء بلا حدود، لكن لا توجد أجواء مستقرة تساعد على الكتابة إلا في أوقات محددة وكذلك الصعوبة في إخراج المادة المكتوبة حيث أن سلطات الاحتلال تمنع خروجها لإدراكها لأهميتها وقدرتها على التأثير، وكثيرا ما تصادر تلك المادة إذا وقعت في أيدي إدارة السجن كما حصل مع روايتي (الحرية في جبل النار) التي مازالت مصادرة".
 
انعدام التدوين
ويضيف الهودلي "إن أكثر شيء يهدد هذه المواد بالضياع بعد الاحتلال، هو انعدام جهود التدوين والحفظ من قبل المؤسسات الأهلية والرسمية، فتتعرض هذه المواد للضياع لأنها لا تجد من يحفظها سوى ثلاث أو أربع مؤسسات تبذل جهودها لحفظ هذا الإنتاج الثقافي، منها مؤسسة بيت المقدس وبيت الشعر الفلسطيني والمؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي".
 
وأوضح الهودلي أن هذه الصعوبات قللت نسبة الكتابة كثيرا، "فقلما نجد اليوم كاتبا أو شاعرا داخل سجون الاحتلال وذلك بسبب مضاعفة المضايقات، فعلى سبيل المثال لا توجد أي كتابات عن الحركة النسوية الأسيرة أو الأطفال الأسرى والمرضى، وغيرها من المساحات الواسعة والمتعددة غير المغطاة".

المصدر : الجزيرة