محمود جمعة–القاهرة

شهدت عودة العرض المسرحي "أهلا يا بكوات" على خشبة المسرح القومي بعد توقف استمر 16 عاما، إقبالا كبيرا من الجماهير المصرية التي عزفت في الآونة الأخيرة عن صالات العرض المسرحي، بسبب التدني الملحوظ في مستوى الأعمال المقدمة، إضافة إلى ارتفاع تكلفة دخول المسارح التجارية والخاصة.

ويتناول العرض الذي يقوم ببطولته النجمان الكبيران عزت العلايلي وحسين فهمي إشكالية الفارق بين الواقع الحضاري والمد الثقافي داخل المجتمعات العربية والإسلامية في عصرين مختلفين وبين ما وصل إليه الغرب على الجانب الآخر، بمعالجة واقعية وبناءة داخل إطار تخيلي يعتمد على فكرة تقليدية وهي السفر عبر الزمن والتنقل بين عصوره المختلفة.

إلا أن مؤلف العمل لينين الرملي آثر ولسبب ما أن يركز معالجته لهذه المقارنة الحضارية على الحقبة الماضية، فى رسالة واضحة إلى أننا نعيش الآن ما عاشته الأمة قبل نحو مائتي عام، ويدق العرض ناقوس الخطر محذرا من أن الفارق الحضاري بيننا وبين الغرب يتسع كلما تراجعنا بأفكارنا، وهو ما بدا واضحا في تناوله لشخصية رجل الدين الذي يستغل الإسلام، والحاكم الذي يعمد إلى تغييب الرعية في محاولة منهم للإبقاء على الواقع الذي يحمي مصالحهم الخاصة.

وتدور أحداث المسرحية حول قلق أستاذ التاريخ محمود (عزت العلايلي) على مستقبل البلاد، بعد أن قرأ كتابا يشير إلى مستقبل مظلم تنعدم فيه فرص العمل للشباب وتزيد الاحتكارات وتصبح الدول الغنية أكثر غنى والدول الفقيرة أكثر فقرا، فيما يتخذ صديقه العالم والخبير العالمي برهان (حسين فهمي) موقفا أنانيا لا يهتم فيه إلا بمصالحه وعلاقاته العامة التي تحقق له هذه المصالح.

ويحدث زلزال في المشهد الافتتاحي ليفيق البطلان على إثره ليجدا نفسيهما في زمان آخر يعود إلى ما قبل الحملة الفرنسية على مصر بقليل زمن سيطرة المماليك بقيادة مراد بك (سامي مغاوري) على البلاد، قبل أن يصبحا من رعيته بعد أن أقنعه العالم "برهان" بأنه يستطيع قراءة الطالع والمستقبل.

ويحتدم الصراع بين العقل العلمي ومحاولة التغيير التي يسعى إليها أستاذ التاريخ من خلال تطرقه لقضايا عصرنا الحالي الخاصة بتقديس العلم وحرية التعبير وحقوق المرأة، في حين يتجه العالم إلى تملق ومحاباة زعيم المماليك والعيش بطريقتهم مستبعدا إمكانية التغيير ومحافظا على مصالحه التي يعيشها في زمن ليس زمنه.

الزمن الجميل
الفنان أحمد فؤاد سليم مستشار مدير المسرح القومي قال إن هذه هي المرة الأولى منذ سنوات عدة التي تمتلئ فيها قاعة المسرح القومي وشرفاته بالمتفرجين، مما يبشر بعودة الزمن الجميل للمسرح الذي عانى في السنوات الأخيرة من ضعف الإقبال عليه.

واعتبر سليم أن فكرة العمل من أهم أسباب نجاح المسرحية مع طرافة الفكرة الدرامية القائمة على نقل بطلي المسرحية من المستقبل إلى الماضي.

ومن جانبه، يرى كاتب السيناريو محمد علي في تصريح للجزيرة نت أن عودة الجمهور إلى المسرح بهذه الكثافة غير المتوقعة سببها الإسقاط التاريخي الذي يستخدمه المؤلف لينين الرملي، الذي يبرز آلية الفساد في تلك الفترة ونهب ثروات البلد، ليعكس ما يحصل الآن من فساد تحت راية التحالف بين الطبقة المتحكمة والأجهزة ورجال الأعمال الذين أبرزهم النظام.

بينما رأى أشرف زكي رئيس البيت الفني للمسرح ونقيب الممثلين المصريين فى تصريح للجزيرة نت، أنه تم تصوير العرض المسرحي "أهلا يا بكوات" تليفزيونيا حتى يحفظ في المكتبات لتشاهده الأجيال، خاصة أن المسرحية تصلح للعرض في أي زمان.

أما بطل العمل الفنان عزت العلايلي فقد أكد أن قبوله المشاركة في المسرحية كان بمثابة الواجب الوطني، لأن الجمهور له حق على الفنان، مضيفا أن عناصر نجاح المسرحية تمثلت في توافر النص الجيد الذي يغازل العقول ولا يغازل الغرائز التي تعزف عليها كل الفنون في الوقت الحالي.
ــــــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة