محمود جمعة-القاهرة

تحتفظ الذاكرة الشعبية المصرية ببقايا تراث الزمن الجميل، ويرنو الوجدان المصري إلى حقبة زمنية كان التواصل مع الفن لا يتم عبر وسائط ولا يحتاج إلى تقنيات.

ومن بين هذه الفنون التي كانت تجد في "الموالد الشعبية" تربة خصبة وتجد في الأطفال جمهورا رئيسيا، هو فن الأراجوز.

والأراجوز هو الشخص الفهلوي الذكي ابن البلد سليط اللسان الذي يثأر للفقراء ويسعى دائما لفضح المسكوت عنه بتحطيم المحظور المفروض على المجتمع من قبل المؤسسات الرسمية والثقافية والدينية.

وهو أيضا أحد الفنون المصرية المهددة بالانقراض بعد أن كان إحدى علاماته المميزة وظل طوال سنين أداة تثقيف هامة للأطفال في شوارع وموالد القاهرة.

صعوبات المهنة

صلاح إبراهيم محمود النجار.. اسم مغمور في الوسط المسرحي المصري أخذ على عاتقه إحياء فن الأراجوز الذي تربى وعاش بين عرائسه، ويرغب في أن يجعل الشارع المصري يتغنى بألحان قصصه وأن يعود جو العائلة الذي يجمعهم أمام القصة المفتعلة في أوبريت الأراجوز البسيط.

تحدى "العم صلاح" كما يطلقون عليه صعوبات المهنة وبدأ يتجول في جميع أحياء العاصمة لا يرغب في الرزق فقط وإنما يبحث عن الارتقاء بفنه وإعادة الروح إليه برونقه ومذاقه الخاص.

قال العم صلاح للجزيرة نت إن المشتغلين بهذا العمل في مصر لا يتجاوز عددهم أصابع اليد بعد هجر الكثير من الفنانين لفن الأراجوز كونه لا يعتبر أداة لجلب الرزق ولم يتبق سوى من يحبه فعلا، لافتا إلى عدم الاهتمام بهذا الفن من قبل الجهات المسؤولة في الدولة ما أدى إلى اندثاره تماما.

وطالب بأن يتم إعطاء الأراجوز مساحة على شاشات التلفزيون المصري لما يمثله من أداة تعليم للأطفال عن طريق قصصه التي تربت عليها أجيال كثيرة في مصر.

وعزا العم صلاح تراجع فن الأراجوز إلى عدم ظهور أجيال جديدة تتابع مسيرة هذا الفن الذي فقد الكثير من فنانيه ولم يبق منهم سوى القليل جدا وأغلبهم ممن تقدم بهم السن ولا يستطيعون العمل لفترات طويلة.

أسباب التراجع

"
الأراغوز لا يواجه فقط خطر الانقراض بسبب قلة الاهتمام وإنما أيضا بسبب قلة المشتغلين فيه
"
المخرجة المسرحية عبير علي أرجعت تراجع شعبية فن الأراجوز إلى ظهور وسائل إعلام لا يمكنه منافستها حيث إنه يعمل من خلال التأثير المباشر عن طريق الموالد والأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية.

وقالت عبير للجزيرة نت إن انتشار التلفزيون والفضائيات وإشباع رغبات المجتمع من الدراما أدى إلى البعد عن هذا الفن الذي تعتبر مصر أحد مواطنه الأساسية في العالم.

وطالبت بإنشاء مدرسة لتخريج الكوادر القادرة على إحياء هذا الفن واستبداله ببرامج الكرتون التي تأخذ مساحات كبيرة على شاشات التلفزيون المصري وتنفيذ العديد من القصص التي يمكنها التأثير على الطفل المصري وتربية أجيال على التقاليد والعادات العربية وليس على الطريقة الغربية.

أما أستاذ المسرح في أكاديمية الفنون نبيل بهجت فقال للجزيرة نت إن هذا الفن لا يواجه فقط خطر الانقراض بسبب قلة الاهتمام، بل أيضا بسبب قلة المشتغلين في هذا الفن الذي أصبح عددهم لا يتجاوز 10 فنانين وأغلبهم في سن متقدمة.

وقال بهجت إن فنان الأراجوز يستخدم أداة مصنوعة من قطعتين من النحاس داخلهما وتر يضعها في فمه ليؤدي صوت دمية الأراجوز بشكل مميز عن بقية الشخصيات التي تشارك في تمثيل القصة التي تتوافر لها كافة مقومات الحبكة الدرامية بدءا من الصراع والتصعيد الدرامي والعقدة والحل.

وأوضح أن القصة تقدم بشكل فولكلوري يحفظ للشعب هويته ويعلي قيمة الشهامة والنخوة ونصرة المظلوم وعدم السكوت على الظلم، وهو بذلك يمثل قدوة للشعوب الضعيفة أو المستضعفة بألا تستهين بما لديها من قدرات شريطة أن تحسن استثمار هذه الأدوات على نحو يحقق مصالحها.

يذكر أن من أشهر القصص التي يقدمها الأراجوز "الأراجوز وزوجته" و"الأراجوز ورجل الدين" و"الأراجوز ورجل الأمن (الخفير أو العمدة)" و"الأراجوز والبخيل".
ـــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة