الرويشان: الثقافة وسيلة حوار أفضل من السياسة
آخر تحديث: 2005/7/17 الساعة 13:28 (مكة المكرمة) الموافق 1426/6/10 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2005/7/17 الساعة 13:28 (مكة المكرمة) الموافق 1426/6/10 هـ

الرويشان: الثقافة وسيلة حوار أفضل من السياسة

خالد الرويشان

حاوره: سيدي محمد
يعتبر وزير الثقافة اليمني الأديب الكاتب خالد الرويشان أحد الأسماء البارزة التي لعبت دورا كبيرا في إثراء المشهد الثقافي اليمني في السنوات الأخيرة, وأحد رواد جيل التسعينيات الذي استطاع أن يفجر كوامن الإبداع في أرض سبأ وقد تجلى ذلك في الفعاليات التي احتضنتها صنعاء كعاصمة للثقافة العربية العام الماضي والتي نجحت بشهادة الجميع في ما قدمته من أنشطة ثقافية أدبية وفكرية وفنية تعكس بشكل حقيقي تراث اليمن ووحدته وتعلقه بالإنسان العربي أينما كان.

وفي هذا الحوار مع الكاتب والوزير تعبر الجزيرة نت جسور الحوار الأدبي الخاص إلى آفاق أبعد حول أزمة المثقف العربي والعلاقة بين السياسية والثقافة بالإضافة إلى مناقشة بعض الإشكاليات الثقافية المترسبة والراهنة:

سعادة الوزير لما ذا نشرت عملك القصصي الأول "الوردة المتوحشة" عند دار نشر خاصة في القاهرة ولم تنشره في صنعاء على الرغم من انك وزير للثقافة ويمكنك ذلك؟.

في الواقع الشاعر الشهاوي هو الذي أشرف على طبعة هذه المجموعة وقد فاق اهتمامه بها إلى حد ما اهتمامي مشكورا على كل ذلك, وقد تكون طباعتها دلالة إيجابية أكثر من كونها سلبية من ناحية أن تصدر رواية في عاصمة عربية أخرى لوزير ثقافة في الوقت الذي أستطيع فيه أن أنشر للآخرين أعمالهم في بلد أنا مسؤول فيه عن النشر والتوزيع والكتاب والرقابة.

اخترت قصة تدل على أبي الطيب المتنبي الذي أعرف أنك مسكون به كثيرا لتكون هي النص الموضوع على غلاف كتابك وقد جاء المتنبي في قصتك وحيدا كئيبا ممتطيا قلقه, تاجه مهشم, وصولجانه مكسور فهل يمكن للوزير أن يكسر تاج السلطة ويهشم صولجان الملك؟

كان المتنبي يعيش إشكالية كبيرة في عصر منحط ومتذبذب سياسيا وكان يرى عبيدا يحكمون بل إن حاكم دمشق آنذاك كان يهوديا وكان الروم على أبواب دمشق ليحتلوها فيما بعد, في هذه الأوضاع المتدهورة كان المتنبي يرى في نفسه عبقرية خاصة وتفوقا جعله يفكر في الوصول إلى السلطة وهو -في رأيي- جدير بها.. لكن ما تبقى من هذا الرجل العظيم ليس صولجانه بل هذه القصائد البديعة حيث هو نفسه أيضا قصيدة قائمة بذاتها ولم يستطع شاعر عربي  من أبي تمام مرورا بالمعري والبحتري وغيرهم أن تماثل حياته حياة المتنبي المتمردة المتقلبة مع كل ما يحتفظ به من قيم الصداقة... أقول فقط إن هذا الشاعر كانت حياته القلقة متجاورة بجانب قصائده وكل سطر هو قصيدة في حد ذاتها.

سعيت إلى أن يتسلم جيل التسعينيات الأدبي المشهد الثقافي اليمني فإلى أي درجة ووجه الرويشان بمعارضة من الأجيال الأخرى؟

يمر اليمن في الحقبة الأدبية الراهنة بمشهد ثقافي يتحمله جيل التسعينيات الذي تفتح وعي بعضه منذ السبعينيات حيث يتخلل هذا الجيل كل مفاصل العمل الثقافي في اليمن من إدارة وسياسية وصحافة خاصة إذا عرفنا أن 50% من سكان اليمن هم شباب لا تتجاوز أعمارهم 25 سنة.

وفي الحقيقة ليس هناك صراع بين هذا الجيل والأجيال التي سبقته بل نستطيع القول إن العملية كانت تراكما حقيقيا حيث اختفى هذا الصمت الذي كان يخيم على الساحة اليمنية في أواسط السبعينيات رغم وجود اسماء وقامات أدبية كبيرة مثل البردوني والمقالح.. فأستطيع القول إن اليمن الآن يشهد ثورة ثقافية أدبية حقيقية حتى من ناحية تنوع الجنس الأدبي الواحد من قصيدة النثر إلى شعر التفعيلة وغير ذلك وقد لا  أكون مبالغا إذا قلت إنني لا أجد مثالا في العالم العربي لما نشهده من ثورة ونشاط ثقافي.

إذا كانت التنمية تنطوي على بعد ثقافي جوهري باعتبار أن الثقافة عنصر أساسي في حياة كل فرد ومجتمع فهل تظن وأنت قريب من المطبخ السياسي والثقافي العربي أن هناك انفصاما بين المثقف والسياسي؟ وما دور كل منهما؟

هناك مبالغة كبيرة من المثقفين حول الفصل بين السياسة والثقافة, على سبيل المثال عندنا في اليمن حينما قامت الثورة الأولى في بداية القرن الماضي كانت ثورة شعراء وعلماء وكذلك ثورة سبتمبر المشهورة التي قامت بها كذلك نخبة عسكرية وسياسية, فنحن هنا في الحالتين أمام نخب تحاول التغيير سواء جاء التغيير عن طريق الثقافة أو السلاح.. وما يثبته التاريخ أن هذه النخب كان لها دور كبير ولايزال, فينبغي أن يكون المثقف هو من يحاول تقديم مقومات التنمية
والحساسية التي وجدت بين السياسي والمثقف هي قضية مبالغ فيها ففي تصوري أن كلمة المثقف لا تعني المتخصص في فكر معين أو فن معين بل هو من يتقن فنونا متعددة إلى جانب تخصصه ويرفع شعار التغيير كما أن السياسي الذي لا علاقة له بالثقافة ليس سياسيا ناجحا, فاعتقد أنه لا بد من ميزان دقيق بين الثقافة الملحة والسياسة الفاعلة.

تذكر مبادئ مشروع "العقد الثقافي العربي الذي ينطلق قريبا في الإمارات أن هناك نية لإنشاء سوق ثقافية عربية مشتركة, هل تعتقد أن الإنسان العربي رغم ما يمكن أن يوحده من لغة ودين وتاريخ يمكنه أن يحقق تكاملا ثقافيا في ظل التناقضات السياسية الحالية؟

الثقافة العربية موجودة شاء من شاء وأبى من أبى إنها في دمنا وفي عروقنا تعيش فينا كما يعيش المتنبي والجاحظ وأم كلثوم وكما نستمر من خلالهم ونعرف بهم ويقرأهم كل عربي في كل أرض عربية بعدت عن الأخرى من المحيط إلى الخليج.

ثقافتنا ليست ثقافة فضائية أو إعلامية وليدة اللحظة والراهن إنها هي التي حافظت على الكتلة العربية والمشاعر العربية.. إنها هذا الحزن الذي يهزنا جميعا والكلمة المؤثرة التي تحرك وجدان الشعوب العربية.. إننا نمتلك لغة قوية ضاربة في العمق أعطت لكل عصر أسلوبه وامتصت كل التغيرات في الفكر والحياة بعمق حقيقي يعكس حضارة وشعبا يحترمه التاريخ, ومع ذلك فقد آن للدبلوماسية الثقافية أن تفعل دورها في ظل هذه الثقافة المتنوعة والمتجلية في تفاصيل حياتنا اليومية منذ آلاف السنين وإلى الآن ولتكن هذه الثقافة بكل تفاصيلها طريقنا للحوار مع العالم ما دمنا فشلنا سياسيا.

أنت محظوظ لأنك جئت وزيرا قبل أشهر من إعلان صنعاء عاصمة للثقافة العربية لنفترض أن صنعاء لم تكن تلك العاصمة فهل كان الرويشان يقدم خارطته المهمة ثقافيا؟

بل قد أكون سيء الحظ لأنني جئت قبل هذه الفعالية بأشهر لأجد نفسي أمام تنوع جغرافي ثقافي وتاريخي يشكل تحديا يجب أن أتعامل معه, فاليمن كان مصبا لكل الحضارات العربية الأخرى ففي موريتانيا مثلا لنا امتداد إنساني وثقافي يتمثل في الوجوه والعادات والتقاليد وكذلك في الجزائر.. كما أن معظم دول الخليج تعيش كذلك على الألحان والمواويل اليمنية القديمة إلى آخر هذا التنوع والامتداد فما بالك بالداخل؟ كما أننا كنا نحتاج إلى بنية ثقافية تحتية, وفي رأيي أن المنظومة الثقافية عندنا كانت مغلقة وتفتحت في سنة 2004 مع هذه الفعاليات المتنوعة, لقد كان اهتمامنا أساسا منصبا على تلمس كل ذلك, وكيف نقدم اليمن.. بمدنها القديمة ومواهبها الفنية ومعالمها التقليدية لقد فجرنا تراكم ثقافة السبعينيات بشكل وفقنا فيه ولله الحمد

ما حقيقة ما جرى في المشاركة العربية في معرض فرانكفورت عام 2004 وهل فشلت فعلا الدول العربية في تقديم نفسها للآخر عبر هذا المعرض؟

أتصور أن قضية معرض فرانكفورت للكتاب أخذت بعدا مبالغا فيه وتم إعطائها حجما أكبر من قضايا أخرى مهمة مثل نهب الكتب والمتاحف العراقية ولا أعرف ما ذا سيحدث هذا العام, يجب أن نعرف أن المعرض ليس مهرجانا ثقافيا شاملا إنه معرض كتاب وكانت المشاركة تحتاج فقط إلى ترجمة مختارة ومتقنة للكتب العربية لا أقل ولا أكثر, وهنا يجب أن لا ننكر أن العرب حضروا فعلا في هذه الفعالية غير العربية  بالمقارنة مع دول أجنبية لم تمثل جيدا بشكل فعال وعلينا أن نتذكر أن أزمة توزيع الكتاب داخل الدول العربية وفيما بينها أكبر مما حصل في معرض فرانكفورت أين هو الكتاب اليمني في الجزائر أو في المغرب أو في موريتانيا وأين هو الكتاب السعودي والعراقي والسوري مثلا في تونس والعكس؟ كما أن العلاقات الثقافية الثنائية بين العالم العربي والدول الغربية وما تقدمه من فعاليات أدبية وفكرية وموسيقية أهم بكثير من هذه المسألة... بالإضافة إلى أهمية إقامة أسابيع ثقافية تعرف كل حضارة بالأخرى.

في تقديمه لكتابك "الوردة المتوحشة" أشار الشهاوي إلى أنك مسكون بالشعر ووصفك بشاعر السرد فما هي الكتابة في نظرك وما هو الشعر؟

الكتابة بشكل عام هي أفق مفتوح وهناك غموض يكتنف هذه الكلمة وفي رأيي أن الشعر ليس مجرد الكلام الموزون أو المنثور بل هو أكبر من أن يعرف تعريفا واضحا إنه يدخل في كل شيء إنه ماء الحياة في كل فن على الإطلاق في الرسم والنحت.. وأنا اعتبر أنني أكتب بهذا الماء ولا يهمني تصنيف ما أكتبه بقدر ما يهمني جماله وهنا أريد أن أتسامر قليلا معكم بكلمات كتبتها أمس أثناء تكريم لمطرب وفنان يمني كبير في السبعين من عمره أقول:

"عندما ينحني على عوده ويعزف "عليك سموني" فإنه لا يعزف بأصابعه فحسب بل بأصابع فرقة كاملة.. فرقة تسمع ولا ترى ..شعاب تغني معه وجبال ترقص على فيض إيقاعه. في "السنا لاح" طارت الشعاب معه ونحن أيضا... ربما لأنها ليست مجرد أغنية.. إنها تسبيحة خالصة وتهويمة هانئة في آفاق قريبة حد قلبك..بعيدة  حد حلمك. "السنا لاح" ضوء كلام وعذابات صوت وعذوبة نغم كأنه لا يعزف بأصابعه بل بأهداب قلبه ..كأن إيقاعه تصفيق أجنحة ورقصة أفق. ترى ..من يقرأ نوتة الأهداب من يسمع الأجنحة؟".
_____________
الجزيرة نت

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: