قبل خمسة آلاف سنة دوّن التاريخ السومري في بلاد الرافدين أعظم ملحمة إنسانية خالدة تحمل معاني الخصوصية البشرية في أسمى مراحلها وقلقها وارتباكها وتناقضها الفسيولوجي والروحي.
 
إنها ملحمة كلكامش الميزوبوتامية التي عالجت الربوبية والقيم والخلود ومواضيع الديمقراطية بالعراق، في زمن يظن البعض أنه لم يعرف هذه الكلمة -ويجب تصديرها إليه الآن معلبة ثقافيا-  في حين أن شعب بابل كان يخلع ملكه في تلك الفترة دقائق ليتنفس حريته بداية كل عام، وهي عادة أقرتها الآلهة ليعترف خلالها الملك بخطاياه ويلامس فيها طينته ويرى فيها إنسانيته التي أعماه عنها صولجانه وتاجه.
 
ملحمة كلكامش التي كتبت بالسومرية وترجمت إلى الأكدية قبل اكتشاف حروف اللغة العربية تحكي في إيحائها البعيد عن ملامح عالمية لا تقتصر على مكان أو شعب أو أرض معينة، بل تتعدى الحدود الجغرافية بإسقاط عالمي رحيب من خلال ما تحكيه عن مدينة "أوروك" وشعبها الذي يحكمه ملك ثلثاه إله وثله الآخر إنسان، وهو كلكامش ابن الإله ننسون الذي حملت به من ملك بطل أسطوري مقدس.
 
كان كلكامش يرى نفسه ويراه الجميع مكتمل الجلال والأولوهية ينظر إلى الشمس فتصبح سوداء من شرارة نظره، ويرتقب القمر ليختبئ منه ويحل الظلام على أوروك وشعبها ليبقى هو وحده الإله الحارس والمتجبر، فيقتل من يعارضه ويغتصب من يريد من نساء المدينة حتى زوجات قادة جيشه كما كانت القرابين ترمى تحت قدميه.
 
وفي ظل هذا القهر والظلم من الحاكم السومري العملاق يجد شعب "أوروك" في شخصية أنكيدو العملاق الذي نصفه بشر ونصفه حيواني مخلصا من العذاب الأبدي على يد كلكامش، لكن حينما تدور المعركة بين الاثنين ويتصارعان ويلتحمان لا تجد القوة مكانا لها بين الاثنين ليكتشفا أنهما أصبحا صديقين لبعضهما البعض.
 
وهنا يبدأ التغير في شخصية الملك وصديقه فتقل حالات العنف والقتل والاغتصاب شيئا فشيئا، بل إنهما يقضيان على العفريت الشرير خمبايا الذي كان يزعج أهالي أوروك. وفي لحظة موت أنكيدو يجد البطل الملك نفسه بعد العزاء الذي أقامه أمام حقيقة الفناء والموت عندما يرى صديقه متعفن البدن ينخر الدود جسمه.
 
يبدأ كلكامش رحلة البحث عن الخلود والبقاء ويصف له جده عشبة للحياة الأبدية، وبعد رحلة بحث مضنية يجدها في قاع البحر، وعندما يغفو على الشاطئ تسرقها الحية بأمر من الآلهة التي لا تسمح بالبقاء سوى لذاتها.
 
ويعود كلكامش فاضي الوفاض متحسرا فينصحه حكماء أوروك بأن الطريق الوحيد للخلود هو في العمل والعدل والبناء، وهنا يسلك طريقا آخر ونهجا جديدا في الحياة وفي طريقة تعامله مع المواطنين.
 
صراع
ورغم هذا الشرح المبسط لمضمون الملحمة فإنه يمكن القول إن مأساة بطلها وعقدته الأبدية كانت في صراع ذاته الحيوانية مع ذاته الروحية أو الكينونة السفلى مع العليا، فتنازعته عقدة النقص وعدم الاكتمال الإلهي ليستسلم لإنسانيته في آخر المطاف, حيث إن الجسد بما يحمله من معان وانفعالات -بما فيها العدوان- كان له أثر كبير في الانقلاب الداخلي لكلكامش نحو سلوكه الأخير.
 
وهنا يمكننا أن نتساءل: هل كانت هناك ديمقراطية في أرض سومر قبل خمسة آلاف سنة؟ أم أنه مجرد صراع بين الخير والشر في خيال كاتب؟ وهل الديمقراطية مشروع جديد علينا أم أن المنطقة عرفته قبل من يتشدقون به؟
 
لا تعدم النصوص الأكدية سبيلا في التأكيد على أهلية كلكامش -رغم ما يشاع عنه من شذوذ جنسي- وجدارته بالسلطة، كما أن الملحمة تعكس لنا أن الملك كان إنسانا يحب شعبه فعندما حصل على عشبة الخلود قال "سأحملها إلى أوروك وأجعل الشعب يأكلها".
 
كما كان يسهر على مصالحه "كان يقتل الأسود حتى ينام الرعاة مطمئنين"، بل إنه رغم قسوته وجبروته وعنجهيته كان يستشير مجلس الشيوخ لديه ومجلس الحرب ويقابل عامة الناس ويستمع إليهم.
 
ما يميز الملحمة عن غيرها أن أحداثها تدور حول شخصية تاريخية حقيقية، كما أنها لا تشابه الملحمات التاريخية اليونانية أو الهندية التي كانت في معظمها تسعى إلى تمجيد روما أو تخليد حروب هندوسية، بينما ظلت ملحمة كلكامش محملة بعبق تراثي إنساني يجر أذياله عبر السنين داعيا إلى القضاء على الشر، وناشدا الأمن والسلام والعدل عبر إشراك جميع فئات المجتمع المدني في القرار.
 
ولعل هذا الرصد لدولة المؤسسات والحرية والتعبير كان موجودا في بابل نفسها التي اعتاد شعبها خلع الملك عن السلطة في دقائق في عيد ما يعرف باسم أكيتو أو رأس السنة البابلية، حيث كان الكاهن يصفع الملك ويجره من أذنيه أمام الشعب بعد أن يخلع عنه تاجه وصولجانه مذكرا إياه بطبيعته البشرية.
 
وتتقاطع أحداث الملحمة بشكل كبير مع الواقع العربي في كل مراحله وشخصياته وفلكه الزمني، إلا أن الفرق الجوهري في أن النهاية السعيدة لأوروك ربما لا تكون النهاية لواقعنا.
 
والملحمة تبرئ النفس البشرية من كل حيل الوجود ومتاهاته وترى قوتها في ضعفها أمام المسلمات الأزلية مثل الموت والغريزة والحب.
________

المصدر : الجزيرة