يحلل الكاتب والمحلل السياسي المصري نبيل عبد الفتاح في كتابه الجديد "الحرية والمراوغة: مساهمة في الإصلاح ونقد الدولة والسلطة"، أسباب ابتعاد المواطن المصري عن السياسة، ويعتبر أن أخطر ما يواجه بناء الدولة هو شخصنة السلطة وتوريثها.
وقد سلطت الأضواء على الكتاب لأن صدوره ترافق مع الأحداث التي وقعت الأربعاء الماضي خلال الاستفتاء الذي نظمته الحكومة المصرية على تعديل المادة 76 من الدستور، والاعتداء على عدد من الصحفيين من قبل قوات الأمن وأفراد الحزب الحاكم الأمر الذي لقي استنكارا على مستوى المجتمع الدولي.
ويحلل المؤلف في فصل بعنوان "الخوف يأكل الروح" أسباب ابتعاد المصريين عن المشاركة في الحياة السياسية منذ عهد محمد علي، فيؤكد أن "كل الحداثة التكنولوجية لم يكن لها أن تتطور إلا في إطار حداثة قانونية تحمي البنية الجديدة للدولة من جماعات المصالح والضغط القديمة".
 
تخلف التشريعات
ويرى الكاتب أن الحالة القانونية للدولة المصرية اليوم لا تصل إلى هذا المستوى سواء من حيث تخلف التشريعات عن المستجدات الاقتصادية أو من حيث عدم احترام التشريعات القائمة.

ويعتبر أن هذا ما أدى إلى "الفساد السياسي على جميع المستويات بحيث أصبحت قيم الرشوة بنيانا مضادا لبنية القوانين وأصبح تطبيق القانون انتقائيا.. وهذا ما شكل البنية الأساسية للخوف الذي تعاني منه كل التركيبة الاجتماعية".
ويشدد أن هذا الخوف لا يقتصر على الجماعة الشعبية وحدها بل يمتد إلى من "يراكمون السلطة طريقا للثروة ويراكمون الثروة التي تنتج بدورها سلطة جديدة"، إضافة إلى أن "الصفوة الحاكمة تخشى الجماهير.. وتخشى المبادرات الفردية والجماعية.. في عالم من الخوف المتوالد".

"
يحلل الكتاب موقف المصريين المتناقض تجاه الدولة، فهي تتبدى في الوعي المصري مصدرا للشرور بأجهزتها البيرقراطية وتدهور الملكات السياسية والفنية للصفوة الحاكمة فيها، وهي أيضا الكائن السحري الذي يمكن أن ينتج حلولا سريعة "

الكائن السحري
ويتضمن الكتاب فصلا عن الدولة يحلل فيه الكاتب موقف المصريين المتناقض تجاهها "فهي من جهة تتبدى في الوعي المصري مصدرا للشرور بأجهزتها البيرقراطية وتدهور الملكات السياسية والفنية للصفوة الحاكمة فيها"، وهي من جهة أخرى "الكائن السحري الذي يمكن أن ينتج حلولا سريعة تحيل الجحيم إلى جنة أرضية".
ويشير المؤلف إلى أن المظهر الأبرز في الوعي المصري يبقى "كراهية الدولة بصفتها أصل الشرور، ويبرز ذلك من خلال مظاهر متعددة بينها الكسل عن العمل والإهمال الذي يصل أحيانا حد التخريب العمد واختراق قواعد العقوبات وتلقي الرشاوى علنا واختلاس الأموال العامة التي باتت أخطر ما يواجه رجل الشرق الأوسط المريض".
وفي عنوان ثالث "تخصيص الدولة وشخصنة السلطة" يعتقد عبد الفتاح أن الفكر السياسي في السنوات الأخيرة ركز على النظام السياسي والصفوة الحاكمة والأحزاب، متجاهلا علاقة الدولة المصرية بالفرد والإشكالات التي يمكن أن تثيرها هذه العلاقة في إطار ثقافة الدولة التي باتت عائقا في وجه التطوير بتحالفاتها مع التيارات الدينية.

وهو الأمر الذي يرى فيه عبد الفتاح "إعاقة لنمو فكرة المواطنة وبناء المؤسسات الوطنية التي تقوم على تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات"، كما أن "تزايد الكراهية أدى إلى تنامي الانتماءات الدينية بدلا من الانتماء الوطني".
خطر الشخصنة
وشدد الكاتب على أن أخطر ما يواجه بناء الدولة هو شخصنة السلطة وخصخصتها وتوريثها. وأشار إلى أن التوريث لا يشمل السلطة فقط وإنما يطال أيضا مجالات حقوقية كالشرطة والقضاء، موضحا أن ذلك "نوع من التخريب المنظم لبنية الدولة المدنية ونوع من الاختطاف للدولة بعد أن اختصرت هذه الدولة في مفهوم الأمن وأجهزته".
وفي الفصل يتطرق عبد الفتاح إلى ما أطلق عليه "صرعة أو موضة الإصلاح" التي يتحدث عنها الجميع ويتقدم صفوف المتحدثين بها من قادوا الفساد أصلا.
ويرى أن الإصلاح أصبح محاولة خبيثة للالتفاف على موضوع التغيير السياسي والدستوري ومعه تغيير وجوه الصفوة الحاكمة بأجيالها المختلفة، مع العمل على خلق حالة تتعاطف مع فكرة رفض الإصلاح المفروض (...) ليصبح هذا الالتفاف التفافا على الإصلاح نفسه".

المصدر : الفرنسية